فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 555

ولقد كانت الصوفية التي تنتهجها الدولة العثمانية من الممهدات لدخول العلمانية إلى الدولة، فإنها تشبه إلى حد ما الرهبانية التي كانت أوروبا عليها في بداية دخولهم في الدين النصراني؛ فإن السلبية التي أنتجتها الصوفية تجاه قضايا الأمة (1) ، أورثت شعورًا بأن الدين له رجاله كما أن السياسة لها رجالها، وأوحت _ ولو عن بعد _ بأن الدين لا دخل له في السياسة. إن التصور المحرف لدين الله عند الأوربيين النصارى منذ اعتناقهم للنصرانية، أدى إلى نظرة تتهم الدين بالنقص مما هيأ النفوس إلى رفض تدخل الدين بالكلية؛ فلم يكن عندهم بديل يقتنعون به ويملأ أرواحهم وأفكارهم، ويواكب تطوراتهم بسبب التحريف، ولم يكن في الدين الذي عرفوه ما يحكم الحياة البشرية سوى بعض الأحوال الشخصية، فلم يكن بد عندهم من تنحية الدين، يقول الشيخ محمد قطب:"إن الفصل بين الدين والحياة وقع مبكرًا جدًا في الحياة الأوروبية, أو أنه - إن شئت - قد وقع منذ بدء اعتناق أوروبا للمسيحية, لأن أوروبا قد تلقت المسيحية عقيدة منفصلة عن الشريعة (بصرف النظر عما حدث في العقيدة ذاتها من تحريف على أيدي الكنيسة) ولم تحكم الشريعة شيئًا من حياة الناس في أوروبا إلا"الأحوال الشخصية"فحسب, أي أنها لم تحكم الأحوال السياسية ولا الأحوال الاقتصادية ولا الأحوال الاجتماعية في جملتها" (2) ، فكما أن التصور المحرف لدين الله عند الأوربيين النصارى منذ اعتناقهم للنصرانية، أدى إلى نظرة تتهم الدين بالنقص مما هيأ النفوس إلى رفض تدخل الدين بالكلية، فكذلك الحال بالنسبة لتصور بعض المسلمين عن الدين الممزوج بالصوفية _ مع الفارق _ فإن الصوفية قلصت من بعض وظائف الدين الحقيقية لتجعل الدين محصورًا في بعض الأذكار والأوراد والعبادات بعيدًا عن واقع الأمة، مما هيأ نفوس بعض

(1) - وسيأتي الحديث عن الصوفية مفصلًا في مبحث: الرهبانية والتصوف.

(2) مذاهب فكرية معاصرة, للشيخ محمد قطب, ص: (447) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت