وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد تاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعاب، فكسع (1) أنصاريًا فغضب الأنصار غضبًا شديدًا حتى تداعوا وقال الأنصاري يا للأنصار، وقال المهاجري يا للمهاجرين، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( ما بال دعوى الجاهلية ) )، ثم قال: ما شأنهم فأخبر بكسعة المهاجري للأنصاري، قال: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( دعوها فإنها خبيثة ) ) (2) ، قال شيخ الإسلام:"فهذان الاسمان المهاجرون والأنصار, اسمان شرعيان جاء بهما الكتاب والسنة وسماهما الله بهما كما سمانا المسلمين من قبل وفي هذا. وانتساب الرجل إلى المهاجرين أو الأنصار: انتساب حسن محمود، عند الله وعند رسوله، ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط، كالانتساب إلى القبائل والأمصار ولا من المكروه أو المحرم، كالانتساب إلى ما يفضي إلى بدعة أو معصية. ثم مع هذا لما دعا كل منهما طائفته منتصرًا بها أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك وسماها دعوى الجاهلية، حتى قيل له إن الداعي بها إنما هما غلامان، لم يصدر ذلك من الجماعة، فأمر بمنع الظلم وإغاثة المظلوم ليبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المحذور إنما هو تعصب الرجل لطائفته مطلقًا، فعل أهل الجاهلية فأما نصرها بالحق من غير عدوان فحسن واجب أو مستحب" (3) ، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التداعي بهذه الألقاب ونسبها إلى الجاهلية، رغم أنها ألقاب إسلامية، وما ذلك إلا لأنها استخدمت في هذا الموضع على وجه التفرقة العنصرية بين المسلمين.
(1) "الكسع: ضرب الدبر باليد أو بالرجل"، انظر: فتح الباري: 8/649.
(2) أخرجه البخاري: 3/1296، برقم: (3330) ، ورواه مسلم بمعناه: 4/1998، برقم: (2584) .
(3) - اقتضاء الصراط المستقيم: 1/241.