كانت غزوة حنين في شوال، وسببها أنه لما سمعت هوازن بما فتح الله على رسوله من مكة جمعها رئيسها مالك بن عوف النصارى فقال لهم: نغزوا محمدًا وأصحابه قبل أن يغزونا واجتمع إليه ثقيف يقودها قارب بن الأسود بن مسعود سيد الأحلاف وذو الخمار سبيع بن الحارث، وأخوه الأحمر بن الحارث سيد بنى مالك، ولم يحضرها من قيس عيلان إلا نصر وجشم، وسعد بن بكر وناس من بنى هلال ولم يحضرها كعب ولا كلاب، وفى جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه شئ إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، فلنا أجمع مالك بن عوف المسير لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالنساء والأولاد أن يأتوا معهم، فلما نزلوا بأوطاس، قال دريد بن الصمة بأي وادي أنتم؟ قالوا بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل لاحزن ولا ضرس، ولا سهل دهس ثم قال: مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء، وبكاء الصغير؟ قالوا ساق مالك مع الناس أبنائهم وأموالهم ونسائهم، فقال يا مالك ما حملك على ما صنعت؟ قال: سقتهم مع الناس ليقاتل كل إنسان عن أهله وماله، قال دريد: وهل يرد المنهزم شئ؟ إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل برمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها أحد منهم، قال: غاب الجد والحد،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة آية 40
(2) سورة التوبة آيات 25،26،27
لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب وودت أنكم فعلتم ما فعلا. ثم قال: يا مالك ارفع من معك إلى عليا بلادهم ثم الق القوم على متون الخيل فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك كنت أحرزت أهلك ومالك، قال مالك: والله لا أفعل أنك قد كبرت وكبر عقلك، والله لتطيعنن يا معشر هوزان أولا تكئنى على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون لدريد رأى في المعركة، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أجمع عليه هوزان، اجمع على المسير إلى هوزان وسمع أن عند صفوان أدراعا وسلاحا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلقى فيه عدونا غدًا) فقال صفوان: أغصبًا يا محمد؟ قال (بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك) ، قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب أن يكفيهم حملها ففعل.
فسرى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه ومن معه إلى حنين فحضرت صلاة الظهر فجاء فارس فقال يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا فإذا بهوزان عن بكرة أبيهم بظعنهم وبنعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال (تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله) .
وكان عدد المسلمين يوم حنين اثني عشرة ألف رجل.
فلما رأى المسلمون أنفسهم وما فيهم من عدد وعدة قال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة).