يتنازعون ويتلاعنون ويتشاتمون وبالخرافة يؤمنون والأقداح والأزلام يستقسمون وبالطير يتفاءلون ويتشاءمون وإذا مرّت بهم سانحة أو بارحة يفزعون ولأقل شيء ينهبون ويقتلون فلا ترى إلا ذهاب النفوس وامتلاء الكؤوس وسفك الدماء وهتك الأعراض وضياع الأموال واختلال الأمن وانتشار الفوضى وفساد الحال وخسران المآل.
وقد أطلق كثير من الباحثين على القبيلة العربية تصورًا يوحي أنها جماعة من البدائيين يسكنون الخيام ويقطنون الفيافي والقفار. والحق إن الجَاهِليَّة وصف لفترة قبل الإسلام في العرف الخاص لا يوحي بالجهل الذي هو ضد العلم. وكيف وهم قد ارتقوا إلى مستوى رفيع بفصاحتهم وبلاغتهم في منثور الكلام ومنظومة حتى غَدَوا أُسَّ البيان ومصدر اللغة التي نزل بها القرآن، ولا يعني هذا أنهم أمة عريقة كغيرهم من الأمم المتمدنة استنادًا إلى ما خلفوه لنا من آثار عمرانية في بلاد اليمن أو ما وقع على ألسنتهم من حكم نثروها على لسان شاعر أو خطيب أو حكيم.
قَالَ الدكتور نايف معروف [1] : «إذ والحق - يقَال- أن الجهل المنسوب إلى ذلك العصر لا يعني المخالف للمعرفة بل هو الجهل الذي يقابل الحلم دون مبالغة في وصف سوء حالهم» [2] .
ولعل ما يرجح هذا الرَأْي ما جاء في معلقة عَمْرو بن كلثوم [3] حين قَالَ [4] :
(1) د. نايف معروف، المفكر، الأديب، المولود في قرية دير القاسي، قضاء عكا في فلسطين عام 1934 م. هاجر إلى لبنان عام 1948 م. أثر سقوط فلسطين في يد اليهود، عمل مدرسًا، ثم مديرًا، ثمّ موجهًا للغة العربية في مدارس (الأنروا) في لبنان ممّا ميزه بخبرة في تعليم اللغة وتخصص في أصول التدريس، كما عمل أستاذًا في كلية الآداب بجامعة بيروت العربية وجامعة الإمام الأوزاعي، للدراسات الإسْلاميَّة، ومازال عضوًا في مجلسها العلمي، ويُعرف بعمق الفِكْر ورجاحة الرَأْي وقوة الحجة في المناقشات والمناظرات الفِكْرية. له مصنفات، منها: المعجم الوسيط في الإعراب، الأدب الإسلامي في عهد النبوة، وخلافة الراشدين، الإنسان والعقل، خصائص العربية وطرائق تدريسها، الخوارج في العصر الأموي.
(2) معروف، د. نايف: الأدب الإسلامي في عهد النبوة وخلافة الراشدين، ص (104) .
(3) عَمْرو بن كلثوم، بن مالك. بن عتّاب، بن سعد، أمّه ليلى بنت مُهلهل، وهو شاعر جاهليّ من أصحاب المعلقات.
(4) ابن الأنباري، أبو بكر محمد بن القاسم: شرح القصائد السبع الطوال، ص (426) .