فهرس الكتاب
ألا لا يَجْهَلَنَّ أحدٌ علينا فَنَجْهَلَ فوقَ جَهْلِ الجاهلينا
وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر الغفاري [1] حين سمعه يعيّر رجلًا بأمه فعاتبه وأنّبه قائلًا: «يا أبا ذر أعيرته بأمّه، إنك امرؤ فيك جاهلية» [2] أي فيك روح الجَاهِليَّة وطيشها.
وما عبادة الأوثان كما توهم كثير من الباحثين أن القوم يعبدونها لذاتها والحق أن العرب كانوا يؤمنون بصفة الربوبية لله تعالى وبصفة الألوهية للأصنام كما يقول الله تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [3] ، ولعل ما يعزز هذا الرَأْي قول الشاعر الجاهلي أوس بن حجر [4] :
وباللات والعزى ومن دان دينها وبالله أنَّ الله منهن أكبر [5]
وبهذه الجَاهِليَّة المقابلة للحلم، والوثنية المعترفة بواجب الوجوب والمعظمة للأصنام الحجرية دون اعتقاد الربوبية لها مخالفة بذلك الأمم السابقة التي سمت مدنيتها في أحضان حضارة الوثنية المطلقة.
بهذين الأمرين تشكلت طبيعة الحياة بمفاهيمها وسلوكها ووجدانها وقيمها التي اتسمت بالظلم والجور وفسدان نظم العيش ما خلا بعض القيم النافعة من مدح للكرم وذم للبخل ودعوة للمرؤة وحث على الشجاعة وغير ذلك من الصفات النَّبِيّلة.
(1) هو جندب بن جنادة بن سفيان من بني غفّار صحابيّ أول من حيّا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بتحية الإسلام، سكن دمشق واستقدمه عثمان إلى المدينة ثمّ الربدة إلى أن مات. له (82) حديثًا، توفي عام (32) هجرية. انظر: سير أعلام النبلاء (2/ 46) ، التهذيب (12/ 90) ، الأعلام (12/ 140) .
(2) صَحِيْح البُخَارِيّ، باب المعاصي من أمر الجَاهِليَّة ولا يُكفّر صاحبها بارتكابها إلا الشرك، (1/ 20) و (5/ 2248) وفتح الباري (1/ 85) ، (1/ 87) و مسلم (3/ 1282 - 1283) وسُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى (8/ 7) . وسُنَن أبي داود (4/ 340) ومصنف عبد الرّزاق (9/ 447 - 448) . ومُسْنَد أحمد (5/ 161) ومُسْنَد البزّار (9/ 400 - 402) ، وعون المعبود (14/ 45) ، وفيض القدير (1/ 221) .
(3) الزمر / 3.
(4) أوس ابن حَجَرٍ بن مالك التميمي (98 ق. هـ) ، (530 م) نحو (2 ق. هـ) (620 م) . شاعر تميم في الجَاهِليَّة وهو زوج أم زهير بن أبي سُلمى. انظر: الزِّرِكْليّ، الأعلام (1/ 374) .
(5) ابن حجر، أوس بن حجر بن مالك التميمي: ديوان، ص (36) .