فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 633

وبناءً عليه اضطرب موقف الجَاهِليَّة من العَدالَة وتباينت آراؤهم في مسالك تحقيقها فقد كان «الأخذ بالثائر هو المبدأ السائد» [1] ومنهم من اعتبره سبيلًا لتحقيق العَدالَة في حفظ الدماء ورعاية حرمتها، وعدَّ التخاذل عنه عين الظلم والعدوان بل ويستحق المتخاذل عنه ذمًا وتقبيحًا نحو قول امرأة تخاذل قومها عن الأخذ بثأر أخيها [2] :

إن أنتم لم تثأروا لأخيكمُ فَدعوا السلاح ووشِّحوا بالأبرقِ

وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوا حُلَل النساء فبئس رهط المرهقِ [3]

فمناصرة الأخ لأخيه من الثوابت التي لا تحتاج إلى برهان لتلبيتها، كما قَالَ الشاعر قُرَيْط بن أُنَيْف العَنْبري التميمي [4] :

قومٌ إذا الشرُّ أبدى ناجِذَيْهِ لهم طاروا إليه زرافات وَوُجْدانا

لا يسألونَ أخاهُم حين ينْدُبُهم للنائباتِ على ما قَالَ بُرهانا

ولم يكن شخص الجاني بالذات محلًا للثأر بالضرورة فقد كان لولي الدم أن يقتل من هو أعزُّ فقدًا عند قبيلة المتهم ولو لم يكن المذنب [5] .

وكان قبول الدية كتعويض يعتبر في غالب الأحيان عارًا ودليلًا على الضعف والجبن فلا سبيل للعفو أو الديّة وإنما القصاص.

ألا لا تأخذوا لبنًا ولكن أذيقوا قومكم حدَّ السلاح [6]

فقد كان التعطش إلى الثأر والانتقام الجماعي والإسراف في القتل قد بلغ أشده، فالعدوان يقابل بأفظع منه وكثيرًا ما كانت كلمة واحدة تسبب القتل وبلغت روح الانتقام درجة مروعة حتى النساء صرن يصبغن ملابسهن بدم القتيل وأكل قلبه وكبده [7] .

(1) البهنسي، أحمد فتحي: العقوبة في الفقه الإسلامي، ص (61) .

(2) مكتبي، نذير محمد: صفحات رائدة في مسيرة العَدالَة، ص (6) .

(3) لم أعثر على مصدر البيتين وذكرهما صفحات رائدة في مسيرة العَدالَة في مقدمته.

(4) المرزوقي، أحمد بن محمد الحسن: شرح ديوان الحماسة، (1/ 22 - 23) .

(5) البهنسي: العقوبة في الفقه الإسلامي ص (63 - 64) .

(6) الشرباصي، أحمد: القصاص في الإسلام، ص (42) .

(7) كحالة، عمر رضا: تاريخ العالم الإسلامي، العرب قبل الإسلام، ص (115) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت