فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 633

وقَالَ الأشاعرة: إن الفعل مخلوق لله والكسب من العبد، وبالكسب يكون التكليف ويكون الثواب ويكون العقاب.

والماتريدي [1] : في هذه القضية يقرر أن الله سبحانه وتعالى خالق الأشياء كلها فلا شيء في هذا الوجود إلا وهو مخلوق لله تعالى لا شريك له سبحانه، وإثبات الخلق لغيره إثبات للشريك وذلك غير مقبول ولا معقول.

ثم يقول الماتريدي أيضًا: إنّ حكمة الله تقضي ألا يكون ثواب إلا وللعبد اختيار فيما يستحق عليه الثواب ولا عقاب بالأولى إلا فيما يكون العبد اختيار منه وأنّ ذلك فوق إنه مقتضى الحكمة هو مقتضى العدل أيضًا.

وعلى ذلك تكون أفعال العباد عنده مخلوقة لله تطبيقًا لقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [2] ، ويبقى التوفيق بين اختيار العبد عنده وبين كون الفعل مخلوقًا لله سبحانه.

وللتوفيق يقول ما قَاله الأشعري: «إن العبد له الكسب وهو مختار فيه وبهذا الكسب يكون الثواب والعقاب ثم يفترق عن الأشعري» .

إذ الاشعري يقرر أن ذلك الكسب هو الاقتران بين الفعل الذي هو مخلوق لله تعالى واختيار العبد من غير أن يكون للعبد تأثير في هذا الكسب. وعلى ذلك يكون الكسب عند الأشعري مخلوقًا لله تعالى كالفعل نفسه.

أما الكسب عند الماتريدي فإنه يكون بقدرة أودعها الله في العبد، فالعبد عنده يستطيع أن يكسب الفعل بقدرة مخلوقة فيه ويستطيع أن لا يكسبه بهذه القدرة، فهو حر مختار في هذا

(1) الماتريدي: هو محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي، نسبة إلى (ماتريد) . قَالَ عبد الله المرائي في كتابه الفتح المبين في طبقات الأصوليين: «كان أبو منصور قويّ الحجّة دافع عن عقائد المسلمين، وردّ شبهات الملحدين» . (1/ 193 - 194) وقَالَ عنه أبو الحسن الندوي في كتابه رجال الفِكْر والدعوة «جهبذٌ من جهابذة الفِكْر الإنساني امتاز بالذكاء والنبوغ وحدق الفنون العلمية المختلفة» ، ص (139) . بل كان يرجحه على أبي الحسن الأشعري في كتابه تاريخ الدعوة (1/ 114 - 115) . توفي عام 333 هجرية ودُفن بسمرقند، وله مؤلفات منها: تأويلات أهل السنّة أو تأويلات القرآن، وكتاب التوحيد، وردّ الأصول الخمسة، والردّ على فروع مذهب القرامطة. انظر: الجُهني، الموسوعة المُيسرة، ص (100) .

(2) الصافات / 96.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت