على الشعوب الخاصة فيها لسلطانها [1] . ومن هنا بدا يظهر الأثر السلبي للإنتاج الاستشراقي الفِكْري في دور التحذير ليبقى العالم الإسلامي مفتوحًا لتلقي ما يصدِّرونه من أفكار تحكم سيطرة المستعمرين على البلاد.
هذا الأسلوب هو ما نسميه: الغزو الفِكْري، الذي يحمل سلاح الفِكْرة، والرَأْي والحيلة والنظريات والشبهات وخلابة المنطق، وبراعة العرض، وشدّة اللدد، ولداوة الخصومة وتحريف الكلم عن مواضعه وغير ذلك، فهو حرب دائبة لا يحصرها ميدان تتسم بالشمول والامتداد وتسبق حروب السلاح وتواكبها حتى تستمر بعدها لتكسب ما عجز السلاح عن تحقيقه، فتشل إرادة المهزوم وعزيمته حتى يلين ويستكين وينقض تماسكه النفسي حتى يذوب كيانه فيقبل التلاشي والفناء في بوتقة أعدائه أو يصبح امتدادًا ذليلًا لهم [2] .
ومما ساعد على هذا الغزو الفِكْري التقدم العلمي المذهل للغرب، الذي دفع بأوروبا إلى التقدم في كافة الميادين مما بهر العقول وفتن الألباب وجعل العقول تتعلق به، بل تفتتن وتسبح به، وتهلل لبراعته وأحكامه، في حين أن الدَّوْلَةالعثمانية والممالك التابعة لها راحت تتراجع أمام سيطرة الدول الغَرْبيّة التي أخذت في احتلال سلطانها وتقسيمه إلى جزر مقطعة الأوصال تسيطر عليها أفكار ومفاهيم غربية جديدة.
«وكان لا بدّ أن ينظر الناس إلى هذه المذاهب والفلسفات والنّظم نظرة تقدير واحترام، لأنها نتاج تلك الشعوب المتقدمة، وحصاد تلك الأمم المتطورة ... كل هذا مع دعاية ساحرة، وأساليب منمقة وإلحاح قوي وإصرار عجيب ونيّة مبيتة، وخطة محكمة، لغزو هذه الشعوب المشدوهة وفتنة هذه الأمم الساذجة عن نفسها وواقعها» [3] .
ولهذا كان الضغط على الأمة الإسْلاميَّة هائلًا ماديًا وفكريًا في زمن فقدت فيه روادها وفرسانها وثقافتها، فلما هبّت تريد أن تتعلم وأن تنهض لم تجد إلا أن تولي وجهها نحو الغَرْب صاحب تلك الحَضَارَة، ولكن منهم من اتجه ومثله كالصخرة الشامخة أخذ العلم وترك الغثاء وقد أدرك أنه لا صلة بين التقدم العلمي وأفكار المذاهب والفلسفات، إذ إنّ التقدم العلمي كان نتيجة الاستفادة من آلاء الله ومخلوقاته وسُنَن كونه، ولكن هؤلاء كانوا قلّة في وسط أمواج متلاطمة ومنهم من اتجه اتجاه المندهش والمنبهر، فنهل من علومهم وتأثر بثقافتهم ونادى بأفكارهم.
(1) المصري، د. جميل عبد الله محمد، حاضر العالم الإسلامي (1/ 128) .
(2) فتح الله، د. عبد الستار فتح الله سعيد: الغزو الفِكْري والتيارات المعادية للإسلام، ص (7) .
(3) الواعي، د. توفيق يوسف: الحَضَارَة الإسْلاميَّة مقارنة بالحَضَارَة الغَرْبيّة، ص (686) .