وحاصل القول إنّ مبعث هذا التأثر دهشتهم وانبهارهم بالتقدم العلمي في الغَرْب وحال المسلمين المتسم بالضعف وعدم استيعابهم للثقافة الإسْلاميَّة استيعابًا كاملًا وحبّ التقليد والمحاكاة بغير تفكير أو تدبير.
ومن خلال هذا الغزو الفِكْري «أطلّت رؤوس الأفكار المنحرفة بدون حاجز وبحرية كاملة تدعمهم السلطات الحاكمة في البلاد الإسْلاميَّة وتزودهم بكل ما يريدون من وسائل نشر ودعاية وإعلان ووظائف عليا وحراسة، فدخل الفِكْر القومي والوطني والعَلْماني والمادي والاشتراكي والوجودي إلى صفوف المسلمين باسم العمل وحرية البحث والنهضة والإصلاح والثورة على كل قديم» [1] وبرزت دعوات فكرية هدّامة نذكر منها:
1.الدعوة إلى الارتماء في أحضان الغَرْب، وأخذ حضارته دون وعي ولا تمييز، وقد ترجم هذا الاتجاه كثير من هجناء الفِكْر بعد زوال الخلافة العثمانية مثل طه حسين [2] وسلامة موسى وقاسم أمين وأحمد لطفي السَيِّد [3] .
فسلامة موسى في كتابه «اليوم والغد» 1345 هـ (1926 م) يرى أنّ مصر جزء من أوروبا وليست جزءًا من آسيا (أي من الإسلام) » [4] ويقول: «فَلْنولِّ وجهنا شطر أوروبا» [5] وطه حسين في كتابه مستقبل الثَّقافَة في مصر (ظهر سنة 1357 هـ/1938 م) يقول: «إن سبيل النهضة واضحة بيِّنة مستقيمة ليس فيها عوج ولا إلتواء وهي أن نسير سيرة الأوروبين ونسلك طريقهم، لنكون لهم أندادًا ولنكون لهم شركاء في الحَضَارَة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره وما يُحمد وما يُعاب» [6] وهذا شبيه بقول آغا أوغلي أحمد أحد غلاة الكماليين من الترك في أحد كتبه:
(1) محمد المصري، د. جميل عبد الله: حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة، (2/ 132) .
(2) طه حسين، (1889 - 1973 م) ناقد روائي، تعلم في الأزهر وانتقل إلى الجامعة المصرية ونال منها الدكتوراة الأولى، ثمّ نال دكتوراة دولة من جامعة السوربون بباريس. عُيّن عميدًا لكلية الآداب في جامعة القاهرة. من مؤلفاته (الأيام) ، و (دعاء الكروان) .
(3) أحمد لطفي السيّد، (1288 - 1382 هـ) (1870 - 1963 م) . وُلد في قرية برقين بمصر، رئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة. تخرج بمدرسة الحقوق في القاهرة وعمل في المحاماة، وشارك في حزب الأمّة، فكان أمينه. من آثاره (تأملات في الفلسفة والأدب والسياسية والاجتماع) .
(4) حسين، د. محمد محمد: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر (2/ 222) .
(5) حسين، د. محمد محمد، الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر (2/ 227) .
(6) قطب، سَيِّد: مستقبل الثَّقافَة في مصر (نقد) ، ص (14) .