«إننا عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغَرْبيّين، حتى الالتهابات التي في رئاتهم والنجاسات التي في أمعائهم» [1] .
وقاسم أمين يقول في كتابه «المرأة الجديدة» بعد أن تحدث عن أوضاع المرأة المسلمة في مصر: «هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه وليس له دواء إلا أن نربي أولادنا على أن يتعرفوا شؤون المَدَنيَّة الغَرْبيّة ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها وإذا أتى ذلك الحين- ونرجو ألا يكون بعيدًا- انجلت الحقيقة أمام أعيننا ساطعة سطوع الشمس وعرفنا قيمة التمدن الغَرْبيّ وتيقنًا أنّ من المستحيل أن يتم إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسسًا على العلوم العصرية» [2] .
وممن يُلحق بركب هذه الثلّة من هجناء الفِكْر ثلّة أخرى اختلفت فيهم الآراء وتشعبت ومهما كان الأمر فالتأثر بالثَّقافَة الغَرْبيّة عندهم لا يحتاج إلى إنكار فهو واضح وضوح الشمس في رابعة النهار عند أمثال رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي.
فقد ذهب رفاعة الطهطاوي [3] إلى فرنسا فاطلع على الأفكار والآراء الغَرْبيّة والنظريات السِّيَاسِيَّة والاقتصادية [4] فأعجب بمظاهر الحرِّيَّة والمساواة وأعجب بدستور فرنسا وقوانينها [5] وتحدث عن ذلك مادحًا ما تنص عليه من تساوٍ بين المواطنين وأنَّها تكفل حرية الفرد وحرية المِلْكِيَّة ... الفردية وحرية العبادة [6] ولم يخفِ إعجابه بالنساء الفرنسيات وبمسلكهن وتبريره لخلاعتهن، مؤكدًا أن خلاعة بعضهن لا تشين السفور ولا تمت له بصلة، وإنما تنشأ من حسن التربية أو رداءتها ثم تمادى في ذلك مبررًا الرقص الفرنسي للمرأة والرَّجُل فقَالَ: «فرقص المرأة الفرنسية بين ذراعي الرَّجُل لا يشم منه رائحة العهر أبدًا، بخلاف الرقص في أرض مصر، فإنه من خصوصيات النساء لأنه لتهييج
(1) صبري، مصطفى: موقف العقل والعلم والعالِم، (1/ 369) .
(2) أمين، قاسم: المرأة الجديدة، ص (192 - 193) .
(3) هو رفاعة بدوي رافع الطهطاوي (1801 - 1873) ولد بطهطا من قرى صعيد مصر، تعلّم بالأزهر ثمّ أوفد إلى باريس سنة 1826 مرافقًا لبعثة علمية ليكون مرشدها الروحين فدرس الفرنسية، وتثقف هناك، وعاد إلى مصر فتولى رئاسة الترجمة في المدرسة الطبية وتدرج في غيرها من المناصب. له من الكتب: «تخليص الإبريز» و «المرشد الأمين» وغيرها. انظر: الواعي، د. توفيق يوسف، الحَضَارَة الإسْلاميَّة، مقارنة بالحَضَارَة الغَرْبيّة، ص (687) .
(4) الطهطاوي، رفاعة بدوي رافع: تخليص الإبريز، ص (149، 150) .
(5) الطهطاوي: رفاعة بدوي رافع: تخليص الإبريز، ص (162 - 167) .
(6) الطهطاوي: رفاعة بدوي رافع: تخليص الإبريز، ص (67) .