الشهوات» [1] ومن هنا كان الانبهار الذي دعاه إلى مدح المعالم الحضارية في باريس وممّن سار على نهج الطهطاوي:
خير الدين التونسي [2] ، إذ عبّر في كتابه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» عن رأيه في الحَضَارَة الغَرْبيّة و عادتها، ثم تكلم عن الوطن والوطنية وأخذ فكرة الغَرْبيّين في الروابط بين الرعية، فاضطر إلى الاعتراف بأن الدين قد لا يكون الرابط الوحيد بين أفراد الرعية إذ لا بدّ من رابطة الجنس أيضًا [3] ، هذا وقد دعا إلى الاجتهاد في الشَّرِيعَة من غير التمسك بالمذاهب الفقهية ومن غير اعتماد النصوص، إذ لم تسعفه ما دامت غاية المجتهد أن يخدم الصالح العام، وهذا ما جعله يفسر الشَّرِيعَة تفسيرًا يستقيه كما يقول - من فقهاء الحنبليين والحنفيين المتأخرين، فينكر أن تكون الشَّرِيعَة قانونًا محددًا يأمر الفرد والحكومة بما يوجب القيام به، وينهى عن كل ما لم يؤمر به، بل يعرفها- نقلًا عن الشيخ الحنفي سَيِّد محمد بيرم (ت 825) بأنها: «ما يكون الناس منه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا نزل به الوحي» [4]
والمقرر في أصولنا أن إطلاق القول في الشَّرِيعَة على عواهنه، وفتح الباب على مصراعيه دعوة خطرة، يراد بها التشريع بغير ما أنزل الله، والتذرع بمصالح الناس يوحي بأن الشَّرِيعَة ناقصة، أو جاءت بغير مصالح الناس أو مخالفة لسعادتهم. وهذه فكرة دخيلة وأسلوب من أساليب الغزو الفِكْري الذي يبث في أوساط المسلمين يشير إلى التأثر بإيحاءات المستشرقين وضغط الحَضَارَة على أفهام الكثير من المُفَكِّرين وهذا هو ما عناه المستشرق ولفرد كانتويل سميث [5] في كتابه «الإسلام في العصر
(1) الطهطاوي: رفاعة بدوي رافع: تخليص الإبريز، ص (90) .
(2) خير الدين التونسي، قدم تونس صغيرًا فاتصل بصاحبها الباى أحمد وتعلم العلوم الأجنبية، والتحق بوظائف الحكومة، حتى اختير وزيرًا للحربية في تونس ثم ولاه السلطان عبد الحميد الصدارة العظمى من مؤلفاته: «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» توفي سنة 1890 م في القسطنطينية. انظر الواعي، د. توفيق يوسف: الحَضَارَة الإسْلاميَّة مقارنة بالحَضَارَة الغَرْبيّة، ص (690) .
(3) انظر: التونسي، خير الدين: أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، ص (49، 50، 73، 86، 186) .
وانظر الواعي، د. توفيق يوسف: الحَضَارَة الإسْلاميَّة مقارنة بالحَضَارَة الغَرْبيّة، ص (690) .
(4) التونسي، خير الدين، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، ص (42) .
(5) ولفرد كانتويل سميث، مدير الدراسات الإسْلاميَّة، وأستاذ الدين المقارن في جامعة ماكسجيل بكندا حصل على د. اه في جامعة برينستون سنة 1948، تحت إشراف المستشرق المعروف «جب» وكان موضوع بحثه في د. اه هو مجلة الأزهر، عرض ونقد بين عهدين، عهد حسين وعهد محمد فريد. وانظر الواعي، د. توفيق يوسف: الحَضَارَة الإسْلاميَّة مقارنة بالحَضَارَة الغَرْبيّة، ص (690) .