إن المتتبع لكتابات الأستاذ أبو الأعلى المَوْدودِي [1] يجد أنه لم يلتزم معنى محددًا واضح المعالم لمفهوم العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة، فقد استعمله في الفِكْر الإسلامي بدلالة تتباين عن دلالته الغَرْبيّة حيث إن العدل والعَدالَة لا يتعلقان بالثروة وتوزيعها كما أنه لا يقيم وزنًا للمساواة بين الناس في توزيعها، ولا يرى أي علاقة بين العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة وهذه الأمور الاقتصادية، وإنما العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة هي تطبيق أنظمة الإسلام في المجتمع وفي ذلك يقول: «إن الإسلام لا يقول بالمساواة في قسمة الثروة، وإنما يريد أن يقيم العدل ... لا المساواة في توزيع الثروة، وقد رسم _الإسلام- خطة واضحة كاملة لهذا العدل في قوانينه وفي تعاليمه الخلقية وفي تنظيم مجتمعه ... فإذا أردنا العَدالَة فما علينا إلا أن نفهم فهمًا صَحِيْحًا كاملًا ما قد وضعه الإسلام من صورة العدل والنصفة ثمّ نسعى إلى إفراغه في قَالب العمل والتنفيذ في نظامنا الاقتصادي والاجتماعي» [2] .
كما أن المَوْدودِي يرى أن التفاوت والتباين بين الناس في الرزق هو أمر طبيعي، ينسجم مع السُنَن الفطرية وفي هذا يقول: «فالفطرة التي فطر الله الناس عليها تقتضي أن يكون التفاوت والتباين في رزق العباد كشأنه في مواهبها الأخرى، فكل مشروع يختار لإيجاد المساواة الاقتصادية المدعاة بين العباد باطل من أساسه حسب ما يراه الإسلام، لأن الإسلام لا يقول بالمساواة في الرزق نفسه» [3] .
وبهذا رفض المَوْدودِي العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة الغَرْبيّة وألبسها لبوس الإسلام بمعنى أنه استعمل اللفظ بدلالة جديدة تنسجم مع معنى العدل والعَدالَة اللذين هما مقصد الدين وفي ذلك يقول: «إن بعض الناس بقولون في الإسلام عدالة اجتماعية، فهذا القول فيه نقص كبير أما الصَحِيْح فهو أن
(1) أبو الأعلى ابن أحمد حسن المَوْدودِي، ولد بمدينة أورنك أباد بولاية حيدر أباد الهندية عام 1321 هـ الموافق 1903 م، لم يكمل دراسته الثانوية بسبب وفاة والده المحامي أحمد حسن. عمل في الصحافة عام 1920 م حتى أصبح رئيس تحرير كبرى جرائد الهند كجريدة تاج وجريدة مسلم وجريدة الجمعية بدلهي ومجلة ترجمان القرآن التي نشر فيها أفكاره ومفاهيمه ومعالجاته للمشكلات السِّيَاسِيَّة والتربوية والاقتصادية من وجهة نظر الإسلام. كما عالج مزالق العلماء الشَّرْعيين وكشف النقاب عن عورات الزِّنَادقة والملحدين الذين افتتنوا ببريق الحَضَارَة الغَرْبيّة، ومن خلال تلك الكتابات استقطب جماعات من الناس أطلق عليهم اسم الجماعة الإسْلاميَّة التي أعلن تأسيسها في مدينة لاهور سنة 1941 م وانتخب المَوْدودِي أميرًا لها إلى أن توفي عام 1979 م. انظر: إدريس، أحمد: أبو الأعلى المَوْدودِي: صفحات من حياته وجهاده، ص (18 - 22) .
وانظر ضناوي، محمد علي، الطريق إلى حكم إسلامي، ص (238 - 242) .
وانظر يكن، د. فتحي: الموسوعة الحركية (2/ 225 - 229) .
(2) المَوْدودِي، أبو الأعلى ابن أحمد حسن، مسألة ملكية الأرض في الإسلام، نقله للعربية محمد عاصم الحداد، ص (92 - 93) .
(3) المَوْدودِي، نظام الحياة في الإسلام، ص (59) .