فهرس الكتاب
إن المتتبع لما سطره المَوْدودِي في كتبه ومقَالاته المتنوعة يلحظ أنه عمل جاهدًا على إخفاء طابع إسلامي على مفهوم العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة، وهذا يتضح من خلال موقفه من هذا المفهوم حيث ذهب في بعض أقواله إلى رفضه باعتباره من مكائد الشيطان اللعين وأنه من المفاهيم الغَرْبيّة والقائل به إنما هو واقع تحت تأثير الغزو الفِكْري الغَرْبيّ وجاهل بأمور الإسلام وفي ذلك يقول:
«غير أنهم -المسلمون- يجهلون أمر دينهم ويخضعون تحت تيار الغزو الاستعماري الفِكْري والحضاري ... ولهذا فكل صيحة ترتفع في معسكر الشعوب القاهرة، يعلو صداها من ديارنا المغلوبة المقهورة ... وما هي إلا سنوات حتى شرع المنادون بالعَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة في الظهور بين ظهرانينا ... جماعة قامت بيننا تريد الإسلام أن يغير قبلته ... وها هم الآن يحاولون إثبات أن العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة بالمفهوم الاشتراكي من صميم الإسلام ... فعلى هذا الأساس حصلت المحاولات فيما مضى من قبل هذه الفئة في صدد جعل التصورات الغَرْبيّة حول حرية الفرد والتسامح، والرَّأْسُماليَّة والدِّيمُقْراطِيَّة تصورات إسلامية خالصة وتبذل الجهود اليوم في جعل الإسلام مؤيدًا لتلك العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة التي تنشدها هذه الفئة وتقيم عليها الدنيا وتقعدها» [1] .
وفي موطن آخر يقول: «أتى على الدنيا حين من الدهر شعر الإنسان فيه أنّ هذا النِّظَام الشيطاني -نظام الرأسمالي الديمقراطي الغَرْبيّ- قد ملأ الأرض جورًا وفسادًا وطغيانًا ... فلم يبقَ بعد ذلك للشيطان الرجيم أي مجال لإبقاء البشر في حبال خديعته ... فجاء إلى الإنسان بمكيدة أخرى سمّاها العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة أو الاشْتِراكِيَّة ... » [2] .
وإذا كان موقف المَوْدودِي من مفهوم العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة يتسم بالحدّة والصرامة لأنه مصطلح من المصطلحات الغَرْبيّة، فهذا يعني أن موقفه من الحَضَارَة الغَرْبيّة موقف الرّفض البات الذي لا يسمح للتوفيق بأي حال من الأحوال بينها وبين الإسلام وفي ذلك يقول:
«الحَضَارَة الغَرْبيّة ... حضارة مادية تمامًا يخلو نظامها من كل ما تقوم عليه حضارة الإسلام ... ونظريتها على نقيض من نظرية الإسلام وطريقها واسع في الجهة المعاكسة لطريق الإسلام، فكل ما يبنى عليه الإسلام نظام الأخلاق الإنسانية والتمدن تكاد هذه الحَضَارَة تأتي عليه من القواعد، كما أن الأسس التي ترفع هذه الحَضَارَة عليها قواعد السلوك الفردي والنِّظَام الاجتماعي لا يمكن أن يقوم عليها بنيان الإسلام ولو ساعة من الدهر فكأن الإسلام والحَضَارَة الغَرْبيّة سفينتان تجريان في جهتين
(1) المَوْدودِي: الحكومة الإسْلاميَّة، ص (190) .
(2) المَوْدودِي: الحكومة الإسْلاميَّة، ص (190) . وانظر: مفاهيم إنسانية حول الدين والدولة، ص (128) .