متعاكستين، فمن ركب إحداهما هجر الأخرى ولا بدّ، ومن أبى إلا أن يركبها في الوقت الواحد فاتتاه معًا وانشق بينهما نصفين [1] .
وهذا النص يدل دلالة واضحة على موقفه الرافض للحضارة الغَرْبيّة والرافض للتوفيق بينها وبين الإسلام أيضًا.
بل ذهب المَوْدودِي إلى أبعد من ذلك عندما اعتبر الفِكْر الغَرْبيّ جهالة وضلالًا وظلمًا وهلاكًا ووصفه بالشجرة الخبيثة التي لا تثمر للبشرية إلا السُّم الزعاف.
وعليه فإنه دعا في الكثير من كتاباته إلى إنقاذ البشرية وشفائها من العلل التي أوجدتها هذه الحَضَارَة الشيطانية، إنما يقع على عاتق علماء المسلمين الواعين الذين يهدمون بقوة فكرهم -المستمد من الإسلام الخالص- حضارة الغَرْب ويستبدلونها بحضارة الإسلام الحقة، القائمة على النظرية الإلهيّة على حد قوله:
«وهذه الشجرة الخبيثة قد أخذ يتأفف منها الآن أهل الغَرْب ... لأنها خلفت مشكلات وعقدًا تنتهي كل محاولة لحلها إلى عقد كثيرة أُخر ... وموجز القول أن هناك سلسلة من المفاسد لا تنتهي ... تخرج من شجرة الحَضَارَة هذه، جعلت الحياة الغَرْبيّة جرحًا داميًا من المصائب والآلام ... وهذا هو الأوان الذي يجب أن يعرض على أمم الغَرْب كتاب الله وسنة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ... وهذا هو العصير الشافي ... وهذه هي الشجرة الطيبة» [2] .
مما سبق بيانه يتبين أن المَوْدودِي لا يرضى بعملية التوفيق بين مفاهيم الحَضَارَة الغَرْبيّة والإسلام بأي حال من الأحوال حيث أن النهضة الإسْلاميَّة، لا بد أن تعتمد على الإسلام الخالص ولذلك كان يوضح في كتاباته ومقَالاته ذلك على نحو تفصيلي يفرق فيها بين ما يؤخذ وما يترك من أمور التمدن والحَضَارَة الغَرْبيّة وفي ذلك يقول:
«لا بدّ أن نميز ما حازه الغَرْب من الرقي الحقيقي في المَدَنيَّة والعلوم عن ضلالاته في فلسفة الحياة ووجهة الفِكْر والنظر والاختلاف والاجتماع ثم نأخذ الأول ونستفيد به ونضرب الصفح عن الثاني ونطهر من أدناسه شؤون حياتنا كلها ... إنّه لا يمكن أن يتحمله من قد جعلوا دينهم التفرنج الخالص أو طبعة من طبعات الإسلام الفرنجية [3] .
(1) المَوْدودِي: نحن والحَضَارَة الغَرْبيّة، ص (21 - 22) .
(2) المَوْدودِي: نحن والحَضَارَة العربية، ص (41 - 42) .
(3) المَوْدودِي: واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم نقله إلى العربية محمد عاصم حداد، ص (63 - 64) . تحت عنوان: ماذا نريد؟