فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 633

وأمام هذا الموقف الصارم والرَأْي الحاد تجاه مفهوم العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة والحَضَارَة الغَرْبيّة، فإن المَوْدودِي قد أوقع نفسه في تناقض حاد ومفارقة عجيبة حين تبنى مفهوم العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة مع محاولة منه حمل هذا المفهوم على بعض الأسس والقواعد الشَّرْعيّة وبعبارة أخرى فإنه قد عمل على تسويغ هذه المفهوم الشيطاني على حد قوله تسويغًا شرعيًا عن طريق وضع الأطر الشَّرْعية اللازمة لهذا الغرض.

وقد التزم المَوْدودِي لتأصيل هذا المفهوم في الفِكْر الإسلامي منهجًا خاصًا يقوم على اعتماد المصلحة كدليل لاستنباط الأحكام، وفي هذا الصدد يقول:

«إن الكتاب والسنة لا يشمل تفاصيل اقتصادية ... بل نرجع في ذلك إلى النافع من أقوال فقهاء المسلمين في مختلف العصور إلى جانب استخراج أحكام جديدة للحاجات المستحدثة ضمن الأسس التي أتى بها الإسلام ... وهي الحرِّيَّة الاقتصادية، تنمية المكارم الخلقية، محاربة الصراع الطبقي، إقرار المِلْكِيَّة ... الفردية، توزيع الثروة على مبدأ العدل ... بهذه الإسلام كان وسطًا [1] .

ومن ناحية أخرى فإن أقواله قد اكتنفت التعارض والتناقض، ففي الوقت الذي يعتبر العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة مكيدة شيطانية فإنه يقول «إنّ العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة لا توجد إلا في الإسلام» [2] ويقول أن الإسلام والعَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة شيء واحد لا يمكن الفصل بينهما [3] ويقول: «إن العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة تمنح الأفراد والأسر ... قدرًا مناسبًا من الحرِّيَّة» [4] فهذا التناقض حسب ما أرى مردّه إلى أن المَوْدودِي يعالج أفكاره الفلسفية بأسلوب أدبي إنشائي، وهذا أمر يفقد أحيانًا أفكاره الدقة والوضوح إلى جانب أن كتاباته في معظمها مقَالات وخطابات ولقاءات ومحاضرات وردود على تساؤلات وتحديات كانت تنشر في الصحف والمجلات التي أشرف بنفسه على تحريرها وهذا يؤدي إلى طرح الرَأْي ونقيضه عبر السنين والأعوام.

(1) المَوْدودِي: مفاهيم إسلامية حول الدين والدولة، ص (108 - 120) .

(2) المَوْدودِي: مفاهيم إسلامية حول الدين والدولة، ص (128) .

(3) المَوْدودِي: مفاهيم إسلامية حول الدين والدولة، ص (130) .

(4) المَوْدودِي: مفاهيم إسلامية حول الدين والدولة، ص (133) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت