فهرس الكتاب
«فليس الذي سبق في هذه الفقرة رأيًا أبديته، فالأمر أكبر من أن يُفتى فيه بالرَأْي ... إنما هو قول الله تعالى وقول نبيّه - صلى الله عليه وسلم - يتحدد من قوله سبحانه: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} [1] المصدر الوحيد الذي يجب على المسلم الرجوع إليه ... فليس وراء هدى الله إلا الضلال .. ولا سبيل إلى الشّك في مدلول هذا النّص ولا تأويله» [2] .
3 -تسويغ سَيِّد قطب لمصطلح العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة:
من خلال ما سبق يظهر لنا أن سَيِّد قطب لا يسمح بإلصاق شيء من أفكاره الجَاهِليَّة بالإسلام ولا حتى المقارنة أو المشابهة بين الإسلام وبينها، كما يمنع أي محاولة يراد بها التوفيق بين الإسلام وغيره من المفاهيم والمصطلحات الغَرْبيّة، وينكر على المُفَكِّرين المسلمين المعاصرين الذين قَالوا بأن الإسلام اشتراكي أو ديمقراطي أو غير ذلك واعتبرها عفونة لا يجوز الحديث عنها في أجواء الإسلام فضلًا عن إلصاقها به، ومن الطبيعي أن يشمل هذا الرَأْي مفهوم العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة لاعتباره مفهومًا غربيًا وكلمة اصطلاحية وضعت من قبل فلاسفة الفِكْر الرأسمالي للدلالة على تدخل الدَّوْلَة عن طريق التشريعات والنظم لتخفيف المفاسد والمظالم التي نتجت عن الحرِّيَّة الفردية، فهي أحكام ظاهرها الترقيع لصرف الناس عن الأفكار الاشْتِراكِيَّة وللإبقاء على النِّظَام الرأسمالي، وهذا ما أشار إليه سَيِّد قطب في قوله: «لقد عجز النِّظَام الرأسمالي عن مجاراة التطور الاجتماعي في أوروبا ... عندئذ ولهذه الأسباب اتجهت إنكلترا بصفة خاصة إلى الاشْتِراكِيَّة ... كما اتجهت روسيا إلى الماركسية ... » [3] وهذا القول يكشف لنا عن حقيقة مفهوم العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة وأنه من المفاهيم الغَرْبيّة على حدّ قوله، وهو ما عناه في موطن آخر بقوله: «أما العفن الذي يسمونه العَدالَة في أمم الجَاهِليَّة الغابرة والحاضرة، فلا يستحق أن نرفع عنه الغطاء في مثل هذا الجو النظيف الكريم ... » [4] .
ومع هذه الصرامة والجدية في موقفه، نجد أنه أباح لنفسه أن يعرض الإسلام في ثوب العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة في كتابه العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة في الإسلام، ومعنى هذا أنه قَبِل لنفسه أن يضيف للإسلام أمرًا غريبًا عنه وهو الذي يقول: «إن هذا النِّظَام دقيق في تكوينه، ومتكامل ... تتغير طبيعته بدخول أي
(1) البقرة/120، و الأنعام/71.
(2) قطب، سَيِّد: العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة، ص (278 - 280) .
(3) قطب، سَيِّد: نحو مجتمع إسلامي، ص (85 - 86) .
(4) قطب، سَيِّد: في ظلال القرآن، (2/ 515) .