فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 633

إنّ المتتبع لكتابات الشيخ محمد الغَزَالي [1] يجد أنه لم يعن كثيرًا بوضع معنى خاص لمفهوم العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة، وذلك لأنه لا يرى أي غضاضة في نقل المفاهيم والمصطلحات الغَرْبيّة إلى الفِكْر الإسلامي ودمجها فيه. فالدعوة إلى الإسلام حسب رأيه تستوجب عرض الإسلام من خلال ما هو مألوف لدى الناس من المفاهيم والمصطلحات الغَرْبيّة المعاصرة، بغية شد المثقفين والمعجبين بهذه المفاهيم للعقيدة الإسْلاميَّة لا أن يصبغ الإسلام بصبغة اشتراكية أو رأسمالية، وإنما هو إشعار الجيل الحاضر بنفاسة ما في الإسلام كي يؤثر الإسلام ويرتضيه، ويترك الافتتان بالمبادئ الجديدة، لأن الإسلام من وجهة نظره يتضمن ما في هذه المبادئ من خير، ويخلو من الشر الذي فيها.

ويدل على ذلك قوله: «وأعترف بأني تجوَّزت في التعبير أحيانًا، وقبلت بعض العناوين الشائعة كالدِّيمُقْراطِيَّة في ميدان الحكم، ولكن لأجعل منها جسرًا، يعبر عليه الكثيرون إلى الإسلام نفسه ... وقد جاء من بعدي الأستاذان «سَيِّد قطب ومصطفى السباعي» عليهما رحمة الله، فألّف الأول العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة في الإسلام، وألّف الأخير «اشتراكية الإسلام» وهما يقصدان ما قصدت إليه من ردِّ المفتونين بالمبادئ الجديدة إلى مواريث أسمى وأغنى، وربما كان ما كتباه أفضل مما كتبت أنا وأكثر تنظيمًا، وعذري أني كنت رائدًا، تدمى أظافري في الاكتشاف والتدوين، فإذا جاء من بعدي، ووجد حقائق ممهدة، كان تنسيقها أقدر وعلى صوغها أدق» [2] .

وبناء على هذا الفهم كان الغَزَالي من أوائل الذين عالجوا هذا المفهوم من زاوية إسلامية وعمل على تأصيله في الفِكْر الإسلامي. مؤكدًا أن الاشْتِراكِيَّة في إنكلترا «العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة الإنكليزية» تذكر بالحكام الأوائل أيام الحَضَارَة الإسْلاميَّة الزاهرة. وأن الدين الإسلامي يحتاج إلى مفهوم العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة وغيره من المفاهيم السِّيَاسِيَّة الغَرْبيّة كحاجة الإنسان للماء والهواء ليبقى.

(1) محمد الغَزَالي، ولد في البحيرة بمصر عام 1917 م، بدأ تعلمه على أيدي الكتاب ثم انتقل بعدها إلى المعاهد الأزهرية حتى التحق بجامعة الأزهر. انتسب منذ كان شابًا يافعًا إلى جماعة الإخوان المسلمين التي كان لها بالغ الأثر في تكوين عقليته وبناء شخصيته، وفتحت مجالات الدعوة أمامه في الإطار الرسمي، فقد تلقى عدّة مناصب حكومية دينية في وزارة الأوقاف المصرية وفي المعاهد والكليات الأزهرية، ناهيك عن الوعظ والإرشاد في المساجد، بل في إدارة شؤونها من خلال وظيفته كوكيل وزارة الأوقاف الإسْلاميَّة وفي إطار التدريس، عمل مدرسًا في الأقسام الشَّرْعية في عدّة جامعات عربية كجامعة أم القرى والملك عبد العزيز بالسعودية هذا إلى جانب مشاركته في العديد من المؤتمرات الإسْلاميَّة العالمية بوصفه أحد روّاد الدعوة الإسْلاميَّة المعاصرين، له مؤلفات تزيد عن ستة وثلاثين كتابًا يعالج بعضها مواضيع السيرة النبوية وأخرى تبحث في الفِكْر السياسي، وأخرى تعالج معالم الدعوة الإسْلاميَّة وتذب عنها الشبهات. انظر: الغَزَالي، محمد: كيف نفهم الإسلام، ص (256) وقذائف الحق، ص (69) ، ومن معالم الحق، ص (257) .

(2) قطب، سَيِّد: العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة في الإسلام، ص (157 - 165) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت