فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 633

مما سبق يظهر لنا أن الشيخ الغَزَالي نحا المنحى الرأسمالي الغَرْبيّ في تحقيق مفهوم العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة في الواقع العملي، بمعنى أنه رسم خطة عملية لتحقيق العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة الإسْلاميَّة على ضوء البرامج السِّيَاسِيَّة الاجْتِمَاعِيَّة الرَّأْسُماليَّة الحديثة، وأضفى عليها الطابع الإسلامي بالمسوغ المصلحي انطلاقًا من قاعدة رفع الضرر، ومنع الفساد، وقاعدة المصالح المرسلة.

ويدل على ذلك المقترحات التي وضعها الغَزَالي في العديد من مؤلفاته لحل المشكلات السِّيَاسِيَّة والاجْتِمَاعِيَّة على شكل خطة ينشد بها إصلاح الأوضاع السِّيَاسِيَّة والاقتصادية في البلاد الإسْلاميَّة، وذلك في قوله:

«وأمامنا صورة حيّة وبرامج مدروسة وأنظمة مطبقة في كثير من أقطار الأرض يجب أن نقتبس منها ما نقوّم به العوج ونحسم به الداء، ونقترح ... الحلول الآتية لإنهاء بعض مشكلاتنا السِّيَاسِيَّة والاجْتِمَاعِيَّة والأخلاقية ...: تأميم المرافق العامة ... تحديد الملكيات الزراعية الكبرى ... فرض ضرائب على رؤوس الأموال الكبرى، أي الملكيات غير الزراعية ... استرداد الأملاك التي أخذها الأجانب ... ربط أجور العمال بأرباح المؤسسات الاقتصادية التي يعملون فيها ... فرض ضريبة تصاعدية على التركات ... هذه خطوط صغيرة نمهد بها لجعل الأمة طبقات متوازنة ... ونختم بها المآسي المريرة التي تمخض عنها نظام الطبقات المعروف بمظالمه ومخازيه» [1] .

وبناء على قوله هذا، فإنه يكون قد ذهب مذهب المدارس الرَّأْسُماليَّة المحدثة المسماة بالمدرسة الاقتصادية «النيوكلاسيكية» التي ظهرت في دول أوروبا الغَرْبيّة عند ازدياد مد الحركات العمالية فيها.

كما يولي الشيخ الغَزَالي الدَّوْلَة أهمية خاصة في تحقيق العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة عمليًا في حياة الناس لأنه يرى أن «الإسلام دين يواجه الناس بالأقضية التي تقيم العدل وتثبت المصلحة، فهو ليس دراسة فنيّة للقانون ومبادئه وأغراضه ولكنه تطبيق عملي ... » [2] .

وفي معرض بيانه للقواعد التي تبيّن سياسية الإسلام الاقتصادية يقول: «وللدولة أن تقيم الأوضاع على هدى المبادئ والأفكار التالية ... والإسلام طلب فضائل معينة وحظر رذائل معينة، فكل ما يعين على إحراز هذه الفضائل، وترك هذه الرذائل من وسائل مادية، فيجب على الدَّوْلَة أن تمهد، والجماعة مسؤولة وجوبًا عن تيسيره ... وللإسلام رسالة عالمية .. وأداؤها يتطلب أن تشرف الدَّوْلَة على الأداة الاقتصادية العامة ... » [3] .

(1) الغَزَالي، الشيخ محمد: الإسلام والأوضاع الاقتصادية، ص (206 - 207) .

(2) الغَزَالي، الشيخ محمد: هذا ديننا، ص (183) .

(3) الغَزَالي، الشيخ محمد: هذا ديننا، ص (54 - 56) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت