فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 633

السؤال الثاني: ما هو المعنى المرتسم في أذهاننا والمتصور في عقولنا لكلمة الحَضَارَة الغَرْبيّة؟ هل المعني بها آثارها ونتائجها السائدة المنتشرة في المجتمعات الغَرْبيّة والوافدة إلينا بطبيعة الحال، والمتمثلة في كثير من مظاهر التحلل السلوكي، والمناهج التربوية وأنظمة الأسرة، وسياسية الاقتصاد وأصول الاجتماع، أم المراد بها منطلقات هذه المظاهر ومرتكزاتها الكبرى المتمثلة في تصور الغَرْبيّين لحقيقة كل من الكون والإنسان والحياة ثم الطاقة المادية والعلمية التي هي الأداة التنفيذية لسائر المنجزات؟

هذان السؤالان يمثلان العمود الفقري في مضمون الدعوة التي يهيج في طرحها جمهرة من الباحثين المعاصرين، ومع ذلك فإن ثلّة قليلة واجهت هذين السؤالين بإجابة صريحة عنهما، وبقي الآخرون يؤثرون الصمت والضياع على اختلاف مناهجهم.

وعندما يؤثر أصحاب هذه الدعوة الصمت فإن بوسعنا أن نتولى الإجابة عنهم وأن نصنف حقيقة الإسلام القائم في أذهانهم والحَضَارَة الغَرْبيّة التي تطمح إليها أبصارهم.

إن الإسلام الذي يتصورونه، إنما تكمن قيمته في أنه تراث عزيز لهذه الأمة جاء ثمرة فكر عربي خلاّق واقتضاه قانون التطور الإنساني وسعة الدأب نحو الأفضل في هذه الحياة، وهو يتصف بالاستمرار والبقاء والخلود والصلاحية إلى غير ذلك من الأوصاف.

ولكن ما معنى أن يتصف الإسلام عندهم بهذه الأوصاف ونراه يفقد قيمته وأحكامه عند ربطه بحياة العصر؟

«إن معنى استمرار الإسلام في نظرهم ليس أكثر من معنى استمرار النهر في تدفقه وسيلانه، هو باقٍ ومستمر من حيث الحقيقة والنوع ولكنه متبدل ومتناسخ من حيث الماء الذي يجري بين ضفتيه، إذ تتلاحق منه أمواج ودفقات حديثة على إثر نظائرها الذاهبة المتبددة»

ويقول الدكتور البوطي [1] : «وبوسع أحدهم أن يصف الإسلام الذي هذا هو المقصود به بالخلود، واستمرار الصلاحية والبقاء، ما طاب له ذلك، دون أن يكلفه هذا الوصف ارتباطًا بأي حكم من أحكامه أو مبدأ من مبادئه، فإن الذي يتصف منه بالخلود إنما هو روحه، وإنما روحه ذلك المسيل الاعتباري المستمر الذي تتناسخ في داخله القيم والأحكام، حسبما تقتضيه حياة العصر، ويستلزمه واقع الحضارات» [2] .

(1) د. محمد سعيد رمضان البوطي من علماء الشام المعاصرين، له مؤلفات كثيرة مطبوعة، وهو أستاذ محاضر في كليّة الشَّرِيعَة بجامعة دمشق.

(2) البوطي: د. محمد سعيد رمضان، مجلة الأمة القطرية العدد الحادي والثلاثون، السنة الثالثة، ص (10) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت