فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 633

وأما الحَضَارَة التي يسعون إلى توفيق الإسلام معها، فإنما منجزاتها وآثارها الجزئية التي يصطبغ بها واقع المجتمعات الغَرْبيّة اليوم وتتمثل مجتمعة في حياة الترف واللهو وتحطيم الحواجز العائقة عن مزيد من التمتع بالدنيا ونعيمها أيًا كانت هذه الحواجز ومها كانت قيمتها.

ولكنْ هل الإسلام الذي تعتنقه أكثرية هذه الأمة، هو هذا الإسلام الذي يتصورون حتى يخضع لهذا الاحتواء والاستيعاب؟

إن الإسلام الذي تلقته هذه الأمة، فاعتنقته، عن طواعية ويقين، إنما هو جملة تعليمات إلهية تنزلت بيقين لا ريب فيه من لدن قيّوم السماوات والأرض على الصفوة المختارة من خلائقه تعرفهم بأنهم عباد مملوكون لله تعالى، ثم تدلهم على الطريق الأمثل للتعامل مع الكون والإنسان والحياة.

والإنسان في ظلّ هذه العبودية يجزم بيقين أنه إنما يتقلب في سلطان الله تعالى وأنه أعجز عن أن يحكم نفسه بنفسه، أو أن يستقل في إقامة علاقته بالمكونات المنثورة من حوله، على النحو الذي يحقق له السعادة والخير. ثمّ إن هذه التعليمات لا يمكن أن تتمثل إلاّ في نصوص، ولا يمكن لهذه النُّصُوص أن تفهم إلاّ بمعيار القواعد التي تفهم بواسطتها النُّصُوص المشابهة الأخرى، في نطاق اللغة ذاتها، وهذه النُّصُوص تتمثل في الوحي والذي هو الكتاب والسنة، إذ أنهما مصدر تصور الإنسان للكون والحياة وللإنسان، ومنبع الفِكْر، ومنهج الحياة، تتشكل منهما المبادئ والشرائع والأنظمة التي تنظم المجتمع الإسلامي وتنبثق منهما المفاهيم عن الحياة والتي تشكل ما يسمى بالحَضَارَة الإسْلاميَّة، وهذه الحَضَارَة ما بسقت في ماضيها المشرق، إلاّ بعد أن أخضع أهل تلك الحَضَارَة أفكارهم وأنفسهم لضوابط الإسلام متمثلة في نصوصه وقواعده على أتم وجه.

فكيف يمكن إذن أن نعمد اليوم فنستبدل بنصوص الإسلام ما يسمى بروحه، ثمّ نجعل منها روحًا طليقةً وصدرًا واسعًا رحبًا لاستيعاب كل ما قد يلذ لنفوسنا من مشتهيات وأهواء، في حين أن الإسلام ما جاء إلا ليبسط سلطانه عليها بالتنظيم والتقييد والمنع إذا اقتضى الأمر؟

إن السبيل مختلفة جدًا بيننا نحن الذين ما عرفنا الإسلام إلا انضباطًا بمعاني العبودية الكاملة لله تعالى والمنزلة وحيا من لدنه وأولئك الذي شاؤوا أن يفهموه تراثًا خلفه الآباء والأجداد، وثورة إصلاحية هبّت على أرض الجزيرة العربية يومًا من الأيام.

وإذا كان السبيل مختلفًا هكذا بدءًا من جذور المسألة وأصولها، فأنّى للحوار أن يثمر اتفاقًا على رأي؟ فلا يمكن لخطين متوازيين أن يلتقيا على نقطة واحدة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت