فهرس الكتاب
أما حقيقة الحَضَارَة، أي حضارة فما هي إلاّ «مجموع المفاهيم عن الحياة» من وجهة نظر معينة وبذلك تكون الحَضَارَة الإسْلاميَّة هي: «مجموعة المفاهيم عن الحياة من وجهة نظر الإسلام» [1] وهي طراز خاص ونمط معين لحياة المجتمع الإسلامي، ولسلوك أفراده وقد نتجت هذه الحَضَارَة عن تنظيم الإسلام لعلاقة الإنسان بربه وبنفسه وبغيره تنظيمًا شاملًا لكل شيء أو فعل بينما الحَضَارَة الغَرْبيّة هي: مجموعة المفاهيم عن الحياة من وجهة نظر المبدأ الرأسمالي الذي أساسه فصل الدين عن الحياة، وبهذا يكون الإنسان هو المشرع والراعي لشؤونه.
فإذا ظهر لنا «أن الحَضَارَة في جوهرها وحقيقتها ثمرة التفاعل الذي يتم على نحو ما بين الإنسان والكون والحياة تصورًا أولًا، وسلوكًا ثانيًا» [2] .
فإنها تصلح أو تفسد بمقدار ما يكون ذلك التفاعل الثلاثي سديدًا أو غير سديد.
فربّ حضارة كست أصحابها رداء الخير والسعادة من كل الوجوه، وربّ حضارة كانت وبالًا على أصحابها، ولو كان أي إقبال من الإنسان على الكون والإنسان والحياة، من شأنه أن يثمر حضارة رشيدة صالحة، لكان الإنسان في غنى عن أن يبصره القرآن بأفضل السبل إلى التعامل مع الكون والحياة، وعن أن يحذره القرآن من التنكب عن الطريق الأمثل، ويخوفه من عواقب ذلك.
ثمّ إن الناس حيال الأخذ بمظاهر الحَضَارَة أيًا كانت فريقان:
فريق يبدع لنفسه أصولها، ثم يسعى في الطريق الذي ترسمه له تلك الأصول. وفريق آخر يتبع أو يقتبس أو ينتفع دون أن يتخذ لنفسه أي موقف من أصول تلك الفروع التي طاب له إتباعها افتتنانًا وتقليدًا.
والغَرْبيّون هم من الفريق الأول، فقد اختاروا لأنفسهم أصول حضارتهم التي يتمتعون بها منذ أن وطئت أقدامهم هذه الأرض إبان العصور الوسطى بقطع النظر عن تقويم هذه الأصول في ميزان الصلاح والفساد.
وقد يحلو لكثير من الكتاب والباحثين أن يقولوا في نشوة ومباهاة:
(1) عبد الله، محمد حسين: دراسات في الفِكْر الإسلامي،، ص (74) .
(2) البوطي: مجلة الأمة القطرية، العدد السابق، ص (11) .