فهرس الكتاب
إن الغَرْب أخذ أصول حضارته منا، ثمّ غرسها في أرضه ثم أتقن خدمة الغراس ورعايته، فأثمر الغرس كل هذا الذي يتمتع به الغَرْب اليوم غنى وقوة وعلمًا. والحقّ أنهم مخطؤون في هذا التصور خطأ فادحًا مها كثر الذين يرددونه.
«لو صحّ أن الغَرْب إنما أخذ أصول حضارته من العالم الإسلامي أيام ازدهاره إذن لوجب أن تكون الحَضَارَة الغَرْبيّة اليوم إسلامية في فلسفتها واتجاهاتها ضرورة أن الفروع لا بدّ أن تتبع أصولها، فالغَرْب عندما اقتبس من عالمنا الإسلامي علومه وفلسفته وصنائعه، إنما تزود من ذلك كلّه بالضياء الذي يبصره بالنهج الملائم لعقيدته الخاصة به والمتفق مع الصورة المعتمدة لديه عن الكون والإنسان والحياة» [1] .
لقد أخذ الغَرْبيّون عن الغَزَالي التحليل الفلسفي الذي اعتمده لمظهر الصلة القائمة بين العلة والمعلول، أو السبب والمسبب حيث أكدّ أنها ليست أكثر من صلة اقتران مجرد فارغة عن أي دلالة علمية على أي فاعلية ذاتية تكمن وراءها. وإنما كان منطلقه في ذلك إثبات أن الفاعلية الحقيقية إنما هي لله عزّ وجلّ غير أن الغَرْبيّين استلّوا هذا التحليل من مجموع النظرية الفلسفية التي نادى بها الغَزَالي ليدعموا بها مذهبهم الخاص بهم في الفلسفة الوضعية التي تقيم التجربة والمشاهدة، مقام أي برهان فكري وحكم تجريدي، وهكذا اتخذ الغَرْبيّون من اكتشاف الغَزَالي لهذه الحقيقة دعامة لنزعتهم المادية، بينما لم يقيمه الغَزَالي إلاّ برهانًا على وحدة الخالق ووحدة الفاعلية في الكون.
وأخذ الغَرْبيّون من ابن رشد حتى كثر القول في الفلسفة العربية اليوم حول هذا الاقتباس، ولكنه حقيقة الأمر لم يأخذ الغَرْب من ابن رشد إلاّ ما ورثه من أرسطو، أما سائر أفكاره التي جاءت ثمرة تصوره الإسلامي الأصيل فقد نبذه الغَرْبيّون وراءهم ظهريًا، أي أنهم لم يزيدوا على أنهم استعادوا الفلسفة اليونانيَّة من خلال ابن رشد.
وأخذ الغَرْبيّون أصول الجراحة من الجراح المسمى بـ «أبو القاسم الزهراوي» [2] ، ولكن هل من شكّ في أن الجراحة العربية بحد ذاتها إنما كانت تنتمي إلى أصل يوناني؟ وهذا يعني أنهم استعادوا أصولهم اليونانيَّة من خلال أبي القاسم وأمثاله.
(1) البوطي: مجلة الأمة القطرية، العدد السابق، ص (12) .
(2) هو أبو القاسم خلف بن عَبَّاس الزهراوي، المولود في مدينة الزهراء بالأندلس عام (327 هـ-926 م) مارس مهنة الطب والجراحة في بلاط الخليفة عبد الرحمن الناصر. من مؤلفاته: التصريف لمن عجز عن التأليف، يبحث فيه تركيب الأدوية والتشريح والأمراض وأعراضها وعلاجها والمستحضرات واستعمالها والجراحة وأدواتها والجبائر وطرقها. توفي عام 1013 م. انظر: مجلة الفِكْر الإسلامي، بيروت، العدد الخامس/ أيار 1982 م.