فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 633

وأخذ الغَرْبيّون من منهج ابن سينا وقانونه في الطّب، ولكنهم وضعوها في ميزان رؤيتهم الذاتية للكون، فكان أن استبعدوا أهم أصوله الأَسَاسيَّة، ألا وهو إقامة قوانين الطب على فلسفة متكاملة متفرعة من وحدة كليّة جامعة بين الفرد والمجتمع والروح والعقل والجسد والبيئة، واتجهوا بقوانينهم الطبيّة في اتجاه جانب واحد منفصل عن سائر الجوانب الأخرى اعتمادًا على رؤيتهم التي لا تقر بتمازج تلك الجوانب، وبديهي أنّ انطلاق أمثال الرَّازي وابن سينا من اليقين الجازم بوحدتها، إنما هو أثر للرؤيّة الإسْلاميَّة التي تحذر الإنسان من توهم أي انفصال بين هذه الأجزاء في نطاق الخلق والتكوين من جانب، وفي ساحة التفاعل من جانب آخر.

وفي مقابل ذلك فإن كثيرًا من الباحثين يتوهمون أن أئمة المسلمين اقتبسوا حضارتهم من الفلسفية والمعارف اليونانيَّة ومن أصول الحضارات التي كانت سائدة من حولهم وهذا خطأ فادح ‍!

إن صلة الحَضَارَة الإسْلاميَّة في بدء أمرها بهذه الحضارات كانت الثورة على مبادئها ومخلفاتها وأدرانها ... وكشف هذه المعتقدات الباطلة والديانات المحرفة ... وإذا أردنا أن نرى هل أخذت حضارة الإسلام من تلك الأمم شيئًا ننظر إلى تلك العناصر التي تتألف منها كل حضارة، ونقرر بعد ذلك عن علم ودراسة، هل أخذ الإسلام من هذه الأمم شيئًا؟ والعناصر هي تصور للحياة وغايتها وعقائد ومبادئ أساسية ومنهج تربوي ونظام اجتماعي ... ولا شكّ أن عناصر الحَضَارَة الإسْلاميَّة ربانيّة في جذورها وأصولها وينابيعها [1] .

يقول المؤرخ «كروبر» في كتابه طبيعة الثَّقافَة: «إن الإسلام لا يخضع للمقاييس التي يخضع لها غيره، من الظواهر الروحية والاجْتِمَاعِيَّة إذ لم تكن له طفولة أو شباب، بل انبعث ظاهرة متكاملة غاية التكامل» [2] .

ويقول الأستاذ محمد أسد [3] (ليو بولد فايس) : «واضح إذن أننا مهما أوغلنا في التنقيب والبحث فيما سلف من حضارات البشر فلن تجد توقيتًا معينًا نستطيع أن نحدده بدءًا لحضارة ما، أو

(1) الواعي، د. توفيق يوسف: الحَضَارَة الإسْلاميَّة مقارنة بالحَضَارَة الغَرْبيّة، ص (365 - 366) .

(2) الواعي، د. توفيق يوسف: الحَضَارَة الإسْلاميَّة مقارنة بالحَضَارَة الغَرْبيّة، ص (330) .

(3) محمد أسد، ليو فولدفايس، كما كان اسمه قبل إسلامه، ولد في مدينة ليغوب بالنمسا والتي أصبحت فيما بعد بولندا عام 1900 م. ولما بلغ الثانية والعشرين من عمره، قام بزيارة الشرق الأوسط وأصبح بعد ذلك مراسلًا خارجيًا شهيرًا لمجلة فرانكفورتر زايتونج، شغل منصب ممثل الباكستان الدوري لدى الأمم المتحدة، له مؤلفات عديدة بالألمانية والإنكليزية والعربية. انظر العشي: رجال ونساء أسلموا، (2/ 54 - 55) بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت