فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 633

تاريخًا لمولدها، ولا أن تعين حدًا فاصلًا يميز بين حضارة ولّت وأخرى أشرق عليها النور وتبدت للوجود. ولكن هناك استثناء واحد لكل ما أسلفنا من قول، استثناء تكاد لغرابته تذهل العقول وتنعقد الألسنة فلم يذكر تاريخ البشر فيما عرفه الناس من حضارات سوى حضارة واحدة برزت للوجود في فترة محدودة من تاريخ البشر تلك ولا شكّ حضارة فذّة من نوع فريد وإنها لحضارة الإسلام فلئن قامت كل الحضارات الأخرى ونشأت رويدًا رويدًا من تراث الماضي بما حوى من ضروب الرَأْي وتيارات الفِكْر واستغرقت في تبلورها إلى شكلها الخاص وكيانها المحدد آمادًا طويلة من الزمن، فلقد انفردت حضارة الإسلام وحدها بانبجاسها إلى الحياة دون سابق عهد أو انتظار. وقد جمعت هذه الحَضَارَة من فجر نشأتها كلّ المقومات الأَسَاسيَّة لحضارة مكتملة شاملة، فقامت في مجتمع واضح المعالم له نظرته الخاصة إلى الحياة، وله نظامه التشريعي الكامل وله منهجه المحدد للعلاقات بين الأفراد بعضهم ببعض داخل هذا المجتمع، ولم يكن قيامها ثمرة تقَاليد زخر بها الماضي، ولا وليد تيارات فكرية متوارثة، ولكن هذه الحَضَارَة كانت وليدة حدث تاريخي فريد هو تنزيل القرآن الكريم [1] .

فما فعله علماء المسلمين في إقبالهم على أصول الحضارات المجاورة كانت ترجمة ودراسة وهضمًا ليس أكثر مما فعله الغَرْبيّون عندما اتصلوا بأصول الحَضَارَة الإسْلاميَّة في أعقاب حملاتهم الصليبية.

دعك من قلّة يسيرة أفرغوا بعض المذاهب الفلسفية الإغريقية في أوعية أذهانهم دون أي تفحص وتمحيص، ولكن ما أن تقع هذه الأفكار تحت مجهر الفِكْر الإسلامي الأصيل، تجد أنها تفككت وتحولت إلى ما يشبه الأنقاض المتهاوية في زوايا الإهمال.

أريد أن أصل من هذا إلى بيان أن الأمة التي تتمتع بأصالة حضارية (صالحة كانت أم فاسدة) لا يمكن أن تعمد إلى مزج منطلقاتها الحضارية بمنطلقات أخرى ولو جاء ذلك باسم التنسيق والتوفيق والانفتاح، إلاّ إذا قررت هذه الأمة بمحض اختيارها أن تخلع ثوبها الحضاري لترتدي غيره، وعندئذ لن ترتدي إلا مِزقًا ورقاعًا مما عند الآخرين. هذا فيما يتعلق في الأصول الحضارية، لا فيما يتعلق بالمَدَنيَّة التي تنتج عن العمل وتقدمه والصناعة ورقيها، فهو مما لا تختص به أمّة من الأمم بل تكون عالمية «فهناك فرق كبير بين عالمية الحقائق العلمية والمنافع الإنسانية التي لا يمكن أن تقوم أي حضارة في العالم،

(1) أسد: الأستاذ محمد (ليو بولد فايس) : الإسلام على مفترق الطرق، ترجمة د. عمر فروخ، ص (60) .

وانظر الإسلام والتحدي الحضاري، بأقلام عشرة من علماء الإسلام، ص (19 - 20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت