فهرس الكتاب
إلا على أساس التعامل معها استيرادًا وتصديرًا، وبين خصائص الذات التي تتمتع بها أي أمّة ذات ميراث أو منهج حضاري متميز، فضلًا عن واقع أمّة أذعنت يقينًا ووجدانًا بأن هذا الكون صنعة مكونة، وأن الإنسان مكلف من قبل هذا المكون العظيم الذي لا ثاني له، بأن يمارس العبودية الحقيقية له، وبأن يعمر هذا الكوكب الأرضي طبق المنهج الذي رسمه له في قرآنه ومن ثمّ فهي لا تستطيع أن تختار لنفسها أي بديل» [1] .
فإذا عرفنا هذا كلّه، فلنبحث عن الأرضية الحضارية التي نقف عليها في هذا العصر قبل أن نتأمل في أطروحة الدعوة إلى التوفيق بين الحضارتين الإسْلاميَّة والغَرْبيّة:
إننا بحق لم نعد نملك اليوم أي ذاتية تستبين من خلالها أي منطلقات فكرية أو ثقافية متميزة تحدد معالم وجودنا الحضاري، حتى يحق لنا أن نبحث في مشروع التوفيق أو التنسيق المزعوم مع حضارة الغَرْب وما ارتبط بها من مدنية معاصرة.
لأننا لا نقدم الإسلام كنسق لا يقبل التفكيك أو ككيان عضوي متكامل كنظام الذرَّة والخلية ومعلوم أن الأنساق لا تفكك، وإذا فككت دمرت، وإن كثيرًا من المُفَكِّرين الإسلاميين-وفي هذا القرن بالذات- ليقومون بدور تفكيك الإسلام ظنًّا منهم أن يعودوا إلى تركيبه بعد ذلك تركيبًا عصريًا فيأخذون منه إفراد الله بالعبودية» ليروجوا لـ «الليبرالية» مع أنّ إفراد الله بالعبودية جزء من النسق الإسلامي العام و الليبرالية جزء من النسق العَلْماني العام فهيهات ... ويأخذون منه رعاية الإسلام للفقراء ليروجوا للاشتراكية ورعاية الفقراء جزء من النسق الإسلامي، وإفقار الأغنياء جزء من النسق الشيوعي وقَالوا الحَضَارَة هي العلم والإسلام دين علم وتغافلوا عن وضعية العلم في البناء الإسلامي، وهي وضعية الأداة التنفيذية، لا الفيلسوف ولا المشرع ولا المنظر، ولا المقيِّم للأشياء، وقَالوا هي العقل والإسلام دين العقل، وتغافلوا عن وضعية العقل في الإسلام وهي وضعية المخلوق الساجد لأمر الله ... صنعوا لنا ملامح القربى والتشابه مع الغَرْب ليمحوا تميز الإسلام وليسحقوا ذاتيته، ولتظلّ القبلة الحضارية هناك، صنعوا للحضارة الإسْلاميَّة ملامح القرب والتشابه وأعلنوها بغير خصوصية لتنزلق في مزالق التبعية.
فلمصلحة مَنْ إسقاط الخصوصية وإهدار الذاتية؟ أهو للمعاصرة كما يقولون؟! أم هو للتجديد كما يظنون؟ أولى بهم أن يسموا المعاصرة اعتصارًا والتجديد تبديدًا، فإن فقدان الذاتيّة وتلاشي الخصوصية ليس بعثًا ولكنه احتضار.
(1) البوطي: مجلة الأمة القطرية، ص (13) .