فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 633

وهكذا يتم التقريب بين الإسلام وقوانين مخالفة له، بل يجعلون القوانين الوضعية هي الأصل الذي يعرض عليها الإسلام فإن وافقها كان بها و إلاّ ضُرب به عرض الحائط.

وهذا غيض من فيض، فأصولنا الثقافية التي كانت دعامة حضارتنا الإسْلاميَّة، ملقاة اليوم على رفوف الإهمال، بل مرمية في زوايا النسيان، وإنما نعكف اليوم على أصول ثقافية أخرى اقتطعناها كما هي من الغَرْب بما تحمله من تصورات وتسويغات للنزعة المادية التي تؤله الطبقية، وتجعل الإنسان سَيِّد نفسه، والمالك لمصيره.

يقول الدكتور البوطي: «ففنون التربية وعلوم النفس والاجتماع والأخلاق التي تدرس في مدارسنا وجامعتنا، ليست إلا مجموعة نظريات ومواضعات وُضعت تعبيرًا عن النظرة الغَرْبيّة إلى الوجود ودعمًا لأصول الفلسفة الاجْتِمَاعِيَّة التي ارتضاها الغَرْب لنفسه لا جرم أنها بطبيعة الحال تتناقض بشكل حاد مع مبادئنا ومسلماتنا الإسْلاميَّة الراسخة التي كانت إلى الأمس القريب مصدر تفوقنا وسياج حضارتنا» .

والغريب أن علوم التربية والاجتماع في كل المجتمعات تعبير عن أصولها الفِكْرية وفلسفته الحضارية، إلا في مجتمعنا العربي فهي في الغَرْب المادي مرآة لواقع الحَضَارَة الغَرْبيّة، وتصوير للقيم من وجهة نظر الغَرْبيّين.

أما نحن المسلمين، فلا ندرس علم الاجتماع أو التربية والأخلاق إلا من وجهة نظر هذا الفريق أو ذاك، ولا نقبل عليه إلا مصبوغًا بصبغة مجتمعاتهم وتصوراتهم، ولا نريد فيه إلا نظرياتهم وقد كان أقل ما تستدعيه الكرامة الذاتية أن نصبغ هذه العلوم الثقافية بدورنا بصبغة ما ارتضيناه وأيقنا به من الحقائق والمسلمات الإسْلاميَّة التي لا نزال ندعي بألسنتنا على الأقل، إننا مذعنون لها أمناء عليها.

«إذن، فنحن اليوم لا نقف على أي أرض حضارية تعبر عن ذاتيتنا، وإنما نقف على عتبات الآخرين، بقطع النظر عن هذا الذي نستعيد ذكراه بين حين وآخر، بكثير من النشوة والاعتزاز من أمجاد حضارية لنا سادت طويلًا، لأسباب معروفة، ثم بادت لأسباب معروفة أيضًا» [1] .

فأي معنى بقي لطرح فكرة التنسيق والتوفيق بين الحضارتين الإسْلاميَّة والغَرْبيّة؟ وحال الخلف المعاصر أنهم مستسلمون لأمواج الثَّقافَة الغَرْبيّة استسلامًا منكرًا مهينًا يجمِّلون أنفسهم بها ويصبغون حياتهم وأفكارهم بألوانها دون أن يستنهضوا عقولهم لأي تمحيص، ودون أن يملكوا إلا الانبهار بها والتقريظ لها، على الرغم مما هو محشو في تضاعيفها من باطل التصورات والأفكار.

(1) البوطي: مجلة الأمة القطرية، ص (13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت