فهرس الكتاب
وما استهدف الاستعمار يومًا ما في أي بقعة حلَّ بها إلا تحقيق مثل هذا الانفتاح ليجعل من تلك البقعة وأهلها سوقًا استهلاكية لإنتاجها الحضاري بعد أن ينجح في بترها من جذورها الحضارية والاعتقادية الأصيلة وذلك بكسر طوق الالتزام بالمبدأ من خلال إعطاء معتنقه مفاهيم مخالفة للعقيدة.
ثانيًا: إنّ التصدر للدفاع عن منهج التوفيق بحجة أن الحضارات المختلفة من شأنها أن تتلاقح وأن تسري فيما بينها عملية الإخصاب المتبادل لا يمكن أن ينطبق على العلاقة القائمة بين الحَضَارَة الأوروبية بمختلف فروعها من جهة، والحَضَارَة الإسْلاميَّة من جهة أخرى لاختلاف الأصول بينهما ولتناقضها في الأساس الذي تقوم عليه، وفي تصوير الحياة الدنيا وفي معنى السعادة للإنسان.
فالحَضَارَة الغَرْبيّة، تقوم على أساس فصل الدين عن الحياة، وإنكار أن للدين أثرًا في الحياة، فنتج عن ذلك فكرة فصل الدين عن الدولة، وعلى هذا الأساس قامت الحياة وقام نظام الحياة، أما تصوير الحياة فإنه المنفعة، لأنها هي مقياس الأعمال، ولذلك كانت السعادة عندهم إعطاء الإنسان أكبر قسط من المتعة الجسدية وتوفير أسبابها له، وأما الناحية الروحية فهي فريدة لا شأن للجماعة بها، ولذلك لا توجد في الحَضَارَة الغَرْبيّة قيم أخلاقية أو روحية أو إنسانية، وإنما توجد قيم مادية ونفعية فقط. وعلى هذا الأساس جعلت الأعمال الإنسانية تابعة لمنظمات منفصلة عن الدَّوْلَة وعزلت عن الحياة كل قيمة إلا القيمة المادية وهي الربح.
أما الحَضَارَة الإسْلاميَّة، فإنها تقوم على أساس هو النقيض من أساس الحَضَارَة الغَرْبيّة، فهي تقوم على أساس الإيمان بالله وأنّه جعل للكون والإنسان والحياة نظامًا يسير بموجبه، فكانت العقيدة هي الأساس لحضارة، أما الحياة فقد جعلت الأعمال ميسرة بأوامر الله ونواهيه وبناء على ذلك، كان المسير لأعمال المسلم هو أوامر الله ونواهيه والغاية من تسيير أعماله هي رضوان الله تعالى، وليس المنفعية مطلقًا. وكانت القيمة مختلفة باختلاف الأعمال، فقد تكون قيمة مادية كمن يتاجر بقصد الربح وقد تكون روحية كالصلاة، وقد تكون أخلاقية كالصدق وقد تكون إنسانية كإغاثة الملهوف، وأما السعادة فهي نيل رضوان الله وليس إشباع الإنسان، لأن الإشباع هو وسيلة لازمة للمحافظة على الذات.
فكيف يمكن لنا أن نجعل الحضارتين في إطار التلاقح ونحن نعلم أصول الحَضَارَة الغَرْبية مناقضة كل المناقضة، ومخالفة كل المخالفة لأصولنا الإسْلاميَّة ولتاريخنا ووجودنا الحضاري، بل هي متجهة إلى