فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 633

معاداتنا واستعمارنا وإهلاكنا حضاريًا أي: أنها تستهدف اعتصار كل قيمنا وخيراتنا وقوانا وصبّها في أقنية المصالح الغَرْبيّة، وإن اقتضى ذلك أن تستحيل هذه الأمة بكاملها إلى حثالة أو ركام!

ثالثًا: إن الدعوة إلى الجمع بين الأصالة والحداثة هي تعبير آخر عن فكرة التوفيق، ولا تحمل أي مضمون فكري سليم من وراء بريق الكلمتين ومظهر التعايش الوهمي بينهما، ذلك لأن الحداثة لا تكون إلا فرعًا عن أصالة والأصالة لا تكون إلا مصدرًا وأساسًا لها، فالعلاقة بينهما كعلاقة الجذع الثابت بالأغصان المتجددة ... وهذا يعني أن الأمة إنما يجب عليها أن تعني عناية مباشرة بترسيخ أصالتها، أي بتثبيت أصولها الحضارية المتمثلة أولًا وبالذات في القرار الاعتقادي الذي يجب أن تتخذه تجاه الإنسان والكون والحياة، ثم عليها بعد ذلك أن تترك لجذع أصالتها هذه فرصة اختيار الفروع والثمار المستحدثة، أي أن المطلوب منا (في قانون العمل الحضاري) أن نعكف باهتمام وجد على تحقيق أصالتنا ثم نترك لدستور هذه الأصالة اعتماد المستحدثات الحضارية المناسبة، والتي لا بدّ أن تتفرع عنها بطبيعة الحال ... أما الدعوة إلى أن نحافظ بيد على أصالتنا وأن نستجلب باليد الأخرى مستحدثات الحضارات الأخرى، فسعي عابث مضحك لا يشبه إلا عبث ذلك الذي علم أن حياة الرَّجُل لا تصلح بدون زوجة و أولاد فذهب إلى حيث انتقى لنفسه امرأة، وعثر على جملة من الصغار ثم انطلق بهم عائدًا إلى داره، وقد اطمأن إلى أنه أصبح ذا زوجة وأولاد.

وبهذا يكون موضوع الأصالة والمعاصرة من أهم ميادين الكرّ والفرّ في المواجهة الإسْلاميَّة المعاصرة تستعمل فيه كل أساليب المناورة والخداع والمكاشفة والمسايرة وتكشير الأنياب أو لبس أقنعة الأحباب حسب الظروف والأحوال.

«فمفهومنا للأصالة يجب أن يتمثل في كلمات بسيطة هي الاستقامة على فطرة الله، وأما المعاصرة فأن نعيش بأصالتنا مع عصرنا لأن العيش مع العصر ضرورة واقعة لأن المعاصرة واقع زمني يتصف به كل البشر، ولكن ما يجب التنبيه إليه أن نعيش بأصالتنا لعصرنا وهذا يعني أن نكون ملكًا له نفقد ذواتنا ونفرغ أنفسنا من محتواها لنحشوها بكل ما يأتي من جديد فنفقد الأصالة» [1] .

وبناء على هذا فليست الأصالة مناورة لفظية أو مراوغة فكرية أو تخشعًا أمام قبور الفراعنة، وإنما الاستقامة على فطرة الله وكذلك فإن المعاصرة ليست هي تبادل الكؤوس ومخاصرة النساء في

(1) فرغل، د. يحيى: الإسلام ومشكلة الحَضَارَة بين التعدديّة والصراع، ص (43 - 44) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت