المصالح المعتبرة وأن تكون ضرورية تعلم المسلمين وليس آحادهم وأفرادًا دون آخرين، وأما ترك تقريرها للعقل لإدراك حقائق الأمور، فهذا أمر يدحضه الواقع لما تقرر من التغيير، والتبديل، والتعديل في قوانين الأنظمة الوضعية، نتيجة لمحدودية العقل.
أما أن تكون المصلحة مظنونة أو موهومة كالأخذ بمفهوم الدِّيمُقْراطِيَّة والاشْتِراكِيَّة والعَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة تقربًا للحضارة الغَرْبيّة وتمشيًا مع روح العصر أو غير ذلك مما يموه به مموهون من عبيد الفِكْر الغَرْبيّ، فهذا مما لا يجوز.
فالقواعد التي على أساسها سوغ البعض دخول العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة إلى الفِكْر الإسلامي كالمصالح المرسلة والعقل والعرف والفطرة هي أدلّة عقليّة، والجدير بالذكر أن هذه الأدلة تثير الاختلاف عند الفقهاء المعتبرين حول صلاحيتها للاستدلال.
فقد وصفها حجة الإسلام الإمام الغَزَالي في كتابة «المستصفى» من علم الأصول والآمدى في كتابه «الأحكام في أصول الأحكام» بالأدلة الموهومة فضلًا عن أن المصالح المرسلة والاستحسان وجلب المنافع وغيرها من الأدلة العقلية، التي استندوا إليها في توفيقهم بين الإسلام وما هو غربي من الأفكار والمفاهيم والنظم من مثل مفهوم العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة، إنما تقوم على وهم فاسد وتصورات باطلة مؤداها:
أن النُّصُوص الشَّرْعية في الكتاب والسنّة محددة جاءت بأحكام محدودة أيضًا لوقائع كانت موجودة زمن نزولها، وهذا يعني أن الكثير من الأمور والوقائع المتجددة لا يوجد عليها دليل مباشر من الكتاب والسنّة وإنما أرشدت هذه النُّصُوص إلى طريقة إعطائها أحكامًا شرعية، وهذا الإرشاد كما يزعمون هو الاجتهاد العقلي المبني على ما أسموه مقاصد الشَّرِيعَة، وقَالوا إن الغرض من إرسال الرسل هو تحقيق مصالح العباد، أما كلمة مرسلة فمعناه وجود مصلحة لا يتعلق بها دليل شرعي من الكتاب والسنّة، وبناء على ذلك قَالوا: إن كل أمر يحقق مصلحة للعباد فهو من الإسلام، بل الإسلام يوجبه، وهذا ما وجدناه عند الكلام على منهج المُفَكِّرين الذين تعرضنا لذكرهم في هذا البحث، إذ أنهم جميعًا أدخلوا مفهوم العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة على الفِكْر الإسلامي، واعتبروه هو والإسلام شيئًا واحدًا. والحق إنّ كلامهم يجانب الصواب ولا سند عليه من شرع الله والاستدلال بهذه الأدلة الموهومة يؤدي إلى فساد الصبغة الإسْلاميَّة فضلًا عن كونه معول هدم للإسلام وإلباس الحق بالباطل وذلك من عدة وجوه: