فهرس الكتاب
عليه ولأن هذه الأحكام قد شرعها الله بالنُّصُوص الشَّرْعية، منها ما جاء معللًا بعلّة نصّ عليها الشَّرْع ومنها ما لم يكن معللًا، وما جاء منها معللًا لم يكن جلب المصلحة ودرء المفسدة علّة لأي حكم منها وإنما كانت العلّة في تحريم البيع عند آذان الجمعة لعلة هي الإلهاء عن الصلاة.
وعليه، فلا تعتبر المصلحة دليلًا شرعيًا وما فعله بعض أفراد الصحابة كجمع أبي بكر للقرآن ليس دليلًا على اعتبار المصالح المرسلة دليلًا، وإنما هو استنباط للحكم من الدليل حسب سليقتهم السليمة في معرفة اللغة، وفهم الشَّرِيعَة وليس مراعاة للمصلحة، وإنما لأن الرسول أمر بإزالة الضرر. وعليه، فإن كل فكر بني على المصالح المرسلة وغيرها من الأدلة العقلية لا يعد فكرًا إسلاميًا.
وعليه، فإني أخلص إلى القول بأن لا وجود للعدالة الاجْتِمَاعِيَّة في الفِكْر الإسلامي وكل ما هو موجود في الإسلام مما دعت إليه النُّصُوص الشَّرْعية في الكتاب والسنّة في هذا الخصوص هو العدل الشامل بمعنى الاستقامة على منهج الله والاهتداء بهديه في كل قول أو عمل سواء أكان متعلقًا بالأمور الفردية الخاصة أم بالقضايا السِّيَاسِيَّة والاجْتِمَاعِيَّة العامة.
هذا هو ما ينسجم مع ما توصلت إليه في بيان المعنى الشَّرْعي لكلمة العَدالَة وما ورد على ألسنة مشاهير الفقهاء، أنه العدل الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة في شموله كل أعمال الإنسان، سواء فيما يتعلق بإعطاء كل ذي حق حقه، أم بالاستقامة على نهج الإسلام في القول والعمل من خلال الالتزام بأوامر الله واجتناب نواهيه.
وصفوة الكلام: إن العدل في الإسلام فريضة شرعية مستنبطة من النُّصُوص الشَّرْعية المتمثلة في الكتاب والسنّة، وليست حقًّا من حقوق الإنسان السِّيَاسِيَّة والمالية التي باستطاعة صاحبها التنازل عنها أو التفريط فيها، وهذا ما يجعل العدل في الإسلام مغايرًا للعدالة الاجْتِمَاعِيَّة التي هي من إفرازات التاريخ الأوروبي الحديث لترقيع مفاسد النِّظَام الرأسمالي الذي أهدرت فيه حقوق الإنسان من جرّاء الحرِّيَّة الفردية.
هذه العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة التي ظهرت في لوائح الوثيقة الخاصة المسماة بحقوق الإنسان التي أعلن عنها في الأمم المتحدة عام 1948 وبالتالي فهي تتناقض مع الإسلام في كونها جزئية لا تتعدى بعض الحقوق السِّيَاسِيَّة والاقتصادية وكذلك في كونها صادرة عن العقل البشري وليست مستنبطة من الكتاب والسنّة ومن ثمّ لا يجوز أن يقَال في الإسلام عدالة اجتماعية أو العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة في الإسلام، فعدل