فهرس الكتاب
تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [1] وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [2] وقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [3] وقوله: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [4] .
فهذه النُّصُوص القرآنية القطعية الثبوت والدلالة واضح فيها حصر التحاكم لله ورسوله فقط، أي الرجوع إلى الكتاب والسنة في كل أمر يتعلق بالإنسان وسلوكه ونظام حياته، والتحاكم إلى المصالح المرسلة وإلى المنفعة وإلى العقل هو تحاكم لغير ما أنزل الله، وهو إتباع للعقل والهوى، وهذا مما يتناقض مع هذه النُّصُوص جميعها.
ثالثًا: الزعم بأن التحاكم للمصالح هو تحاكم للكتاب والسنة، وذلك لأن مقاصد الشَّرِيعَة توجبه، هذا الزعم باطل، لأن مقاصد الشَّرِيعَة ليست نصًا يفهم حتى يعتبر ما يفهم منها دليلًا، وإنما هي الغاية من تشريع الحكم أي النتيجة التي يمكن أن توجد منه فعندما يقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [5] دلّ على أن الشَّرْعية وليس الباعث على تشريعها أي أن الله سبحانه وتعالى أخبرنا أن حكمته من تشريع الشَّرِيعَة هو كونها رحمة، وليست الرحمة هي السبب الباعث على التشريع، فالنتيجة وهي الرحمة ليست علّة شرعية وإنما هي إخبار من الله تأخذ حكم القصص والأخبار والمواعظ والإرشادات ولا يصح أن تكون غير ذلك فلا تدخل في التشريع ولا في استنباط الأحكام ولا بوجه من الوجوه [6] .
وعليه، فإن الشَّارِع لم يعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام الشَّرْعية لأنه لم يجعلها علّة لتشريع الشَّرِيعَة ولا علّة للأحكام الشَّرْعية بجملتها فلا يكون للمصالح المرسلة أي اعتبار شرعًا.
ومن ثمّ فإن النُّصُوص الشَّرْعية التي دلّت على الأحكام الشَّرْعية سواء ما جاء منها معللًا بعلّة وما جاء غير معلل إنما دلّت على معانٍ معينة تبين حكم الله في فعل العبد ولم تأت لجلب المصالح ودرء المفاسد، فلا محل للمصلحة والمفسدة فيها لأن ذلك لم تدل عليه هذه النصوص، فلا يقَال إنّ تحريم البيع عند آذان الجمعة مصلحة وإن كون منابع النفط ملكية عامة مصلحة وإن القصاص مصلحة وكما لا يقَال أن تحريم الزِّنَا درء مفسدة، وإن تحريم الرِّبَا درء مفسدة لأن الله لم يقل ذلك ولا يوجد دليل
(1) النساء / 65.
(2) المائدة / 45.
(3) النساء / 59.
(4) يوسف / 40.
(5) الأنبياء / 107.
(6) انظر حول هذه المسألة:
-النَّبَهَانِيّ: الشخصية الإسْلاميَّة، أصول الفقه (3/ 359 - 366) .