فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 633

وهذه قاعدة مطردة حتى في معرفة معاني كلام البشر إذ لا يعرف المعنى من اللفظ ابتداءً ولكن يعرف منه ومن قرائن أخرى. قَالَ الإمام ابن أبي العز الحنفي [1] :» دلالة اللفظ على المعنى هي بواسطة دلالته على ما عناه المتكلم وأراده وإرادته وعنايته في قلبه، فلا يعرف باللفظ ابتداء، ولكن يعرف المعنى بغير اللفظ حتى يُعلم أولًا أن هذا المعنى المراد هو الذي يراد بذلك اللفظ ويعنى به « [2] .

والمخاطب لا يفهم معنى اللفظ حتى يعرف عين المقصود ولا يعرف عين المقصود في كلام الشَّارِع إلا بجمع النصوص، قَالَ ابن أبي العز:» واعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عينها أو ما يناسب عينها ويكون بينها قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى وإلا فلا يمكن تفهيم المخاطبين بدون هذا قط « [3] .

فالصلاة لم نعرف أنها الأقوال والأفعال المخصوصة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، من منطوق الأمر بالصلاة، وإنما عرفنا ذلك الأمر من مجموع النُّصُوص الواردة في الصلاة وصفتها الشَّرْعية.

وهذا البحث عن المعاني اللغوية، والمقاصد المعنوية إنما أحتيج إليه بعد عهود الصحابة رضوان الله عليهم الذين كان لهم من صفاء الأذهان وثاقب الأفهام - فضلًا عن معايشتهم لصاحب الشَّرْع وعلمهم بلغته - ما يساعدهم على العلم بمعاني قول الشَّارِع دون تكلف، فقد كان يكفيهم حينما يسمعون لفظ الصلاة أن يفهموا المراد لأنهم رأوا عين المقصود من المتكلم ذاته عليه الصلاة والسلام، ورؤية عين المقصود أبلغ درجات فهم المعنى.

(1) هو الإمام علي بن علي بن أبي العز الحنفي الدمشقي: فقيه كان رأس القضاء بدمشق ثم الديار المصرية، له عدة مؤلفات منها:"شرح العقيدة الطحاوية"، و"التنبيه على مشكلات الهداية"و"الاتباع". توفي عام (792 هـ.) ودفن بسفح قاسيون في دمشق. أنظر: الزِّرِكْليّ، خير الدين: الأعلام، قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء، (4/ 313) .

(2) ابن أبي العز، علي بن علي: شرح العقيدة الطحاوية، (1/ 65) .

(3) ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية، (1/ 64) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت