ومشاربهم وانتماءاتهم، وإتباع الهوى يفضي لاختلاف غير متناهٍ وفساد غير منقضٍ {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [1] .
وهذا ما وقعت به الخوارج [2] حين كفَّروا واستحلوا دماء وأموال مسلمين بسبب عدم ضبطهم لمفاهيم ومصطلحات كثيرة وردت في نصوص الشَّرْع فأساؤوا فهمها ووصفوا لها مدلولات من أنفسهم غير ما أراده الشَّارِع منها، فضلوا وأضلوا.
ومما يوضح أن الحقيقة عندما يوكل بيانها إلى البشر تصبح أمرًا نسبيًا يتفاوت ويتشكل بحسب الأهواء: ما نراه في كثير من المفاهيم المعاصرة كالعَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة التي نحن بصددها إذ ترى طائفة أنها من صميم النِّظَام الإسلامي بل ألحوا على أن العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة والإسلام شيء واحد مع اختلافهم في المنهج الذي على ضوئه أدخل مفهوم العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة في الفِكْر الإسلامي.
بينما ترى طائفة أخرى منْعَ تداول هذا المفهوم في الفِكْر الإسلامي ويعتبرون الدعوة إليه والترويج له في بلاد المسلمين وقوعًا في الشرك الغَرْبيّ وتأثرًا بالفِكْر المعادي لما يكتنف من دلالة خاصة تتناقض مع مفاهيم الإسلام وتخالف الأحكام الشَّرْعية [3] .
وإلى جانب هذا المفهوم هناك الكثير من المفاهيم المعاصرة: كالرَّأْسُماليَّة والدِّيمُقْراطِيَّة والاشْتِراكِيَّة والعَلْمانية [4] والقومية والغلو [5] والتطرف والأصولية والإرهاب وغير ذلك مما تتفاوت الأذهان في فهمه وتتشكل معانيه بحسب الأهواء.
(1) المؤمنون / 71.
(2) سمي الخوارج بهذا الاسم لخروجهم على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهم فرق شتى يكفّرون بالكبائر ويخرجون
على أئمة الجور ويكفّرون بعض صحابة رسول الله في بعض آرائهم. أنظر: الشَّهْرَسْتانيّ: الملل والنِحل (1/ 114 - 139) .
(3) ابن عابدين، محمد أمين (1252 هـ) حاشية رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين) ، (4/ 502) .
(4) العَلْمانيةهي مذهب عقائديّ غربي الأصل والمنشأ، والعَلْمانيةباللغة الإنكليزية Secularism وترجمتها الصَحِيْحة"اللادينية"أو الدنيوية وإقامة الحياة على غير الدين. أنظر: البعلبكي: موسوعة المورد (9،17) والندوة العالمية للشباب الإسلامي، الموسوعة الميسرة للأديان والمذاهب المعاصرة، ص (367) .
(5) قَالَ شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة: الغلو: مجاوزة الحد بأن يزاد في الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك.
وقَالَ ابن حجر: إنّه المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد وبمثله عرّفه الشَّاطِبِي. وهذا يعني أن الغلو هو تجاوز الحد الشَّرْعي بالزيادة، والحدود هي النهايات لما يجوز من المباح المأمور به وغير المأمور به وهذا مؤدى الإفراط ويقابله التفريط في الدين وهو التقصير في أحكامه وتضييع حقوقه وإظهار العجز عن القيام بواجباته ومن هنا نشأت مقولة» لا إفراط ولا تفريط في الإسلام «. إلا أن الغَرْب حين يطرح فكرة التطرف أو الغلو فإن طرحه لم ينطلق من منطلق شرعي كما بينا وإنما من موقف سياسي يعمل على تكريس توجه عند الأمة يناسب الغَرْب من خلال استعمار العقول فإنه ينعت الإسلام بالتطرف والحركات الإسْلاميَّة بالتطرف لأنهم لا يقبلون التعامل معه، فالغَرْب يريد من وراء طرحه أن يقضي على ما يشكل خطرًا على وجوده واستعماره. أنظر: ابن تَيْمِيَّة: اقتضاء الصراط المستقيم ص (289) ، وابن حجر: فتح الباري (13/ 278) والاعتصام (3/ 304) . عبد الوهاب، سليمان: تيسير العزيز الحميد ص (256) . المحمود، أحمد: الدعوة إلى الإسلام، ص (316) .