فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 633

والنفسية هي التي تجعل الإنسان يقدم على القيام بالعمل أو يحجم عنه، فهي التي تتحكم في دوافع الغرائز والحاجات العُضْويَّة [1] .

فالمسلم قبل تحريم الخمر كان يقدم على شربها لأن مفهومه عنها أنها مباح ولما نزل حكم الله باجتنابها قَالَ المسلم: سمعنا وانتهينا.

فتغيير المفهوم عن الخمر غيَّر الميل إلى الخمر وهذا الميل الجديد الناتج عن ربط الدافع بالمفهوم هو النفسية.

ومن الأمثلة الدالة على الشخصية الإسْلاميَّة أنس بن مالك بن النضر رضي الله عنه فقد مرّ في غزوة أُحد برجال من المهاجرين والأنصار، ألقوا سلاحَهم بعدما أُشيع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قُتل فقَالَ لهم أنس: ما يجلسكم؟ قَالوا: قُتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقَالَ: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم استقبل قريشًا فقاتل حتى قُتل رحمه الله تعالى [2] .

هذا السلوك من أنس بن النضر يدل على شخصية إسلامية متميزة، ويدل على ارتباط وثيق بين عقليته ونفسيته، فلما أحسّ بالواقع وهو إحجام بعض الصحابة عن القتال بعد صدور الإشاعة، ربط هذا الواقع بالمعلومات السابقة (مرارة الهزيمة، وتحريم التَّوَّلي يوم الزّحف، وأثر إشاعة مقتل الرسول على الصحابة) وحكم على هذا الواقع بقياسه إلى القاعدة الأَسَاسيَّة لأفكاره، وهي العقيدة الإسْلاميَّة، بأن القتال فرض، وأن مآل الشهيد الجنة، وأن الأجل محدود، وأن الفرار محظور وهذه الأفكار هي مفاهيم عنده لأنه يتصورها ويؤمن بصحتها، ثم ربط بين المفاهيم ودوافع غريزة البقاء التي من مظاهرها، المحافظة على الحياة والخوف من الموت فسيّر هذه الدوافع بمفاهيمه، وصار يميل إلى القتال.

(1) أنظر حول هذا الموضوع:

-... الزين، سميح عاطف: الإسلام وثقافة الإنسان، ص (94 - 95) .

-... عبد الله، محمد حسين: مفاهيم إسلامية، ص (83) وما بعدها.

(2) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، (1/ 414) ،.وانظر: عبد الله، محمد حسين: مفاهيم إسلامية، ص (92) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت