هذا الأمر يعلمنا بأن الميل «في العدل، بسبب الغضب أو عاطفة القرابة، أو بسبب الخشية من إنسان ما، أو التودد إلى ضعيف يجب أن يبعد تمامًا من دائرة العدل عند مباشرته. وصمام الأمان في إبعاده تذكر الله، واستحضار جلاله في القوامه على الناس والحكم فيما بينهم. وإذا كانت هذه هي صورة العدل المطلوب في سياسية الإسلام حسبما جاء في كتاب الله، فإن آثار العدل ومباشرته في الحكم على نحو هذه الصورة توفر حتمًا: صيانة الأعراض من الاعتداء عليها وصيانة النفوس من الاضطهاد والتعذيب ومن تتبع الخصوصيات لها ومراقبتها، وعدم التفرقة في فرص المعيشة وتولي الوظائف العامة» [1] .
فعلى الحاكم الاجتهاد في إقامة العدل والاستقامة وأن لا تأخذه في الله لومة لائم، فيكون حكمه وشهادته لوجه الله، دون تحيز أو محاباة ولو كان في ذلك الحكم وتلك الشَّهادَة مس به شخصيًا، أو إلحاق أذى أو مضرّة بوالديه أو بأقاربه وأنسبائه ذلك أن صلة البر لا تكون بكتمان الحق ولا بإعانة هؤلاء على ما ليس لهم بحق، فالحق أحق بالإتباع وهو الحاكم على كل إنسان.
والعدل الذي دعا إليه القرآن عدل مطلق، لا يقيده قيد، ولا يقتصر على طائفة دون أخرى، بل هو عدل شامل يجعل من الناس سواسية بين يدي القانون.
ويدعو القرآن الحاكم إلى إعطاء كل ذي حق حقه، وهذا يشمل عباد الله وخلقه جميعًا: أبيضهم وأسودهم، ذكرهم وأنثاهم، مسلمهم وغير مسلم» [2] .
فالعدل الذي يجب أن يتحلى به الحاكم «لا يميل ميزانه الحب والبغض، ولا تغير قواعده المودة والشنآن، العدل الذي لا يتأثر بالقرابة بين الأفراد ولا بالتباغض بين الأقوام فيتمتع به أفراد الأمة الإسْلاميَّة جميعًا لا يفرق بينهم حسب ولا نسب ولا مال ولا جاه، كما تتمتع به الأقوام الأخرى ولو كان بينها وبين المسلمين شنآن، وتلك قمّة العدل لا يبلغها أي قانون دولي إلى هذه اللحظة، ولا أي قانون داخلي كذلك» [3] .
وكما هو معلوم، فإن العدل ركيزة العمران وأساس الملك، وقطب رحى النِّظَام للبشر في جميع أمورهم الاجْتِمَاعِيَّة، فبالعدل نقضي على الفوضى والاضطرابات ونشيع الأمن و السكينة والهدوء والنِّظَام والرضا ونبعث الاطمئنان النفسي في خلق الله جميعًا، وتجدر الإشارة إلى أن هذا العدل قد أبصر النور وتمثل في وافع حياة المسلمين ولم يكن نظرية فلسفية مثالية، بعيدة عن الواقع والتنفيذ.
(1) البهي، د. محمد: حقوق الإنسان في القرآن في صلة الفرد بالجماعة في: حقوق الإنسان في الإسلام ورعايته للقيم الإنسانية، ص (65) .
(2) انظر: شلتوت، محمود: الإسلام عقيدة وشريعة، ص (457) .
(3) قطب، سَيِّد: العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة في الإسلام ن ص (105) .