فهرس الكتاب

الصفحة 583 من 633

بالشورى-بعد المعركة كذلك- تثبيتًا للمبدأ في مواجهة نتائجه المريرة فيكون هذا أقوى وأعمق في إقراره من ناحية، وفي إيضاح قواعد المنهج من ناحية ... » [1] .

وقد أثنى اللهُ تعالى على المؤمنين ومدحهم بأعلى صفاتهم، وجعل المشاورة منها، وذلك في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [2] . «وهو نصّ مكي كان قبل قيام الدَّوْلَة الإسْلاميَّة في المدينة، ومن ثمّ كان طابع الشورى في الحياة الإسْلاميَّة مبكرًا وكان مدلوله أوسع وأعمق من محيط الدَّوْلَة وشؤون الحكم. ولعل اتباع إقامة الصلاة بصفة الشورى ما يؤكد مكانة الشورى في الإسلام وإنها وصف لازم للجماعة في أطوارها وشؤون حياتها» [3] .

وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يستشير الناس ويأخذ برأيهم فقد استشارهم يوم بدر في أمر مكان المعركة واستشارهم يوم أُحد في القتال أيكون خارج المدينة أو داخلها، فنزل عند رأي الحبّاب بن المنذر في الحالة الأولى، وكان رأيًا فنيًا صدر عن خبير فأخذ به ونزل عند رأي الأكثرية يوم أُحد مع أنّ رأيه كان بخلافه.

وشاور السعدين: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة [4] يوم الخندق، فأشارا عليه بترك مصالحة بني غطفان على ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا عن قتال المسلمين. كما سمع لهم في خطط الحروب، فقد سمع لرأي سلمان الفارسي في حفر الخندق وسمع لهم في الأسرى مخالفًا رأي عمر حتى نزل الوحي بتأييد عمر رضي الله عنه [5] .

وهكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثير المشاورة لأصحابه حتى قَالَ العلماء: «لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» [6] .

وكذلك سار الخلفاء في استشارة المسلمين: استشار أبو بكر في شأن ما نعي الزكاة وأنفذ رأيه في محاربتهم وكان عمر يعارض أولًا ولكنه فاء إلى رأي أبي بكر اقتناعًا به بعدما فتح الله قلبه له وهو يرى أبا بكر يصر عليه، واستشار أهل مكّة في حرب الشام على رغم معارضة عمر.

(1) قطب، سَيِّد: في ظلال القرآن، ص .

(2) الشورى / 38.

(3) الصاوي، د. صلاح: تحكيم الشَّرِيعَة ودعاوى العَلْمانية، ص (143) .

(4) سعد بن عبادة، الأنصاري، يُكنى أبا ثابت، كان نقيب بني ساعدة وشهد بدرًا وكان سَيِّدًا جوادًا، وهو صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها. مات سنة (15 هجرية) . انظر: أُسد الغابة، (2/ 283 - 284) .

(5) المقريزي: إمتاع الأسماع، ص (219) .

(6) القرطبي: جامع البيان في أحكام القرآن (4/ 249) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت