وقد رجع عمر إلى المسلمين في أمر أرض العراق، أيوزعها على المسلمين لأنها غنائم؟ أَم يبيعها في يد أهلها على أن يدفعوا خراجها وتبقى رقبتها ملكًا لبيت مال المسلمين، وقد عمل بما أداه إليه اجتهاده ووافقه عليه كثرة الصحابة فترك الأرض بأيدي أصحابها على أن يؤدوا خراجها» [1] .
فالشورى سمة من سمات الحياة الإسْلاميَّة وجزئية في النِّظَام الإسلامي عامة وحق من الحقوق السِّيَاسِيَّة للأمة الإسْلاميَّة يحقق أمورًا هامة منها:
الأول: إشراك الأمة-ممثلة بأهل الحل والعقد- في مزاولة السلطة والتفكير بقضايا الأمّة مع الشخص الذي أنابه عنها، وهو الأمير.
والثاني: الحيلولة دون استبداد الحاكم أو طغيانه.
والثالث: تطييب نفوس المحكومين وتأليف قلوبهم بما يجمعها مع الحاكم برباط المودة والتعاون، كما أشار الزمخشري في تفسيره عند قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [2] فقَالَ: «لما فيه من تطييب نفوسهم والرفع من أقدارهم» [3] . وقَالَ ابن تَيْمِيَّة عند شرحه للآية: «إنّ الله أمر بها نبيه لتأليف قلوب أصحابه وليقتدي بها من بعده وليستخرج منهم الرَأْي فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحرب والأمور الجزئية وغير ذلك» [4] .
والرابع: تجنب الخطأ في اتخاذ القرارات، لأن الأمّة باعتبار مجموعها معصومة من الخطأ كما هو مقرر في علم الأصول، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة» [5] ويقول ابن تَيْمِيَّة: «إذا أخطأ الإمام كان في الأمّة من ينبهه بحيث لا يحصل اتفاق الكل على الخطأ، كما إذا أخطأ أحد الرعية نبهه أمامه أو نائبه وتكون العصمة ثابتة للمجموع بحيث لا يحصل اتفاقهم على الخطأ» [6] .
وعليه، فلا تشابه بين الشورى في الإسلام والدِّيمُقْراطِيَّة الغَرْبيّة، كما ادعى ثلّة من المُفَكِّرين المعاصرين أمثال الشيخ يوسف القرضاوي، حين قَالَ: «الدِّيمُقْراطِيَّة فيها ضمانات للحريّة وأساليب لقمع الحكّام المستبدين، وهي سياسية شرعيّة بابها واسعٌ في الفقه الإسلامي، فالشورى والدِّيمُقْراطِيَّة وجهان لعملة واحدة» [7] .
(1) النَّبَهَانِيّ، نظام الحكم في الإسلام، ص (210) .
(2) آل عمران / 159.
(3) الزمخشري: الكشاف (1/ 32) .
(4) ابن تَيْمِيَّة: السِّيَاسِيَّة الشَّرْعية بين الراعي والرعية، ص (135) .
(5) سُنَن التِّرْمِذِي (4/ 466) وسُنَن ابن ماجة (2/ 1303) والجامع الصغير للسيوطي، ص (88) .
(6) ابن تَيْمِيَّة: الدَّوْلَةونظام الحسبة، ص (40) .
(7) جريدة الشرق، عدد (2719) ، تاريخ 25/ 8/1995 م،