وقَالَ عمر بن عبد العزيز: «يا أيها الناس إني لست بمبتدع ولكني متبع، وإن من حولكم من الأمصار والمدن إن أطاعوا كما أطعتم، فأنا واليكم، وإن هم أبوا فلست لكم بوالٍ» [1] فهو يرى في عهد الخليفة إليه أنه مجرد ترشيح، وإنّ الأمّة هي صاحبة القرار وإن من كانوا في حاضرة الخلافة ليسوا بأولى من غيرهم في هذا الحق بل هو إلى عموم الأمّة ويجب أن ينعقد الرضا من الكافة.
وقَالَ الماوردي: «وذهب بعض علماء البصرة إلى أن رضا أهل الاختيار ببيعته شرط في لزومها للأمّة» [2] .
قَالَ الإمام الجويني [3] : «اتفق المنتسبون إلى الإسلام على تفرق المذاهب وتباين المطالب على ثبوت الإمام، ثمّ أطبقوا على أن سبيل إثباتها النّص والاختيار، وقد تحقق بالطرق القاطعة بطلان مذهب أصحاب النصوص [4] فلا يبقى إلا الحكم بصحة الاختيار» [5] .
وقَالَ أبو الحسن الأشعري: «الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار دون النّص والتعيين» [6] .
قَالَ البغدادي في أصول الدين: «قَالَ الجمهور الأعظم من أصحابنا-يقصد أهل السنة- ومن المعتزلة والخوارج والنجارية: إن طريق ثبوتها-أي الإمامة- الاختيار من الأمة» [7] .
وقَالَ عبد القادر عودة: «تنعقد الإمامة عن طريق واحد مشروع لا ثاني له وهو الاختيار من أهل الحل والعقد» .
(1) ابن كثير، البداية والنهاية (9/ 182 - 183) .
(2) الماوردي: الأحكام السلطانية، ص (10) .
(3) هو عبد الملك بن أبي محمد بن يوسف الجويني، ثمّ النيسابوري، الشَّافِعِي، ولد سنة (419 هجرية) ، الإمام الكبير، شيخ الشَّافِعِية، المحقق الأصولي، المتوفى سنة (478 هجرية) .
انظر: طبقات السّبكي، (5/ 165) ، وتبيين كذب المفتري، ص (278) .
(4) ذكر الإمام الجويني في هذا الأمر دعاوى القائلين بأن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - نصّ على أسماء محدودة لتولي الخلافة من بعده ورد عليهم مبينًا بطلان أقوالهم، ولا شكّ في بطلان قول من ادعى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: نصّ على أحد من بعده وقد ذهب أهل السّنة في هذه المسألة على قولين: منهم من قَالَ أن خلافته ثبتت بالنّص، ومنهم من قَالَ أن خلافته ثبتت بالاختيار، قَالَ ابن تَيْمِيَّة بعد أن ذكر القولين وساق أدلتهم: «والتحقيق أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - دلّ المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله، فخلافة أبي بكر دلّت النُّصُوص الصَحِيْحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - له بها وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختيارًا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله وأنّه أحقهم بهذا الأمر عند الله ورسوله، فصارت ثابتة بالنّص والإجماع جميعًا.
(5) غيّاث الأمم في التياث الظُلَم، ص (54) .
(6) الشَّهْرَسْتانيّ: الملل والنِّحل، ص (103) .
(7) البغدادي: أصول الدين، ص (279) .