فهرس الكتاب

الصفحة 591 من 633

للأفراد، كما لا يجوز للأفراد التنازل عنه أو تعطيله لأنه حق أوتوه من الشَّرْع ليتمكنوا من أداء ما افترض عليهم من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» [1] .

ولهذا كان الحكام الصالحون يربون أفراد الأمة على إبداء الرَأْي ويحثونهم على هذه الصفة ويعيبونهم على تركها. قَالَ رجل للإمام عمر بن الخطَّاب: اتق الله يا عمر. فقَالَ عمر: «ألا فلتقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها» [2] .

إلا أنّ هذا الحق له حدود وضوابط:

الأول: أن يكون قصد صاحبه بذل النصح الخالص للخليفة، كما روى مسلم أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الدين النصيحة» قلنا لمن؟ قَالَ: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» [3] فلا يجوز للفرد أن يبدي رأيه بقصد التشهير أو تكبير السيئات أو انتقاص الآخرين أو تجريء الناس عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الباطلة التي لا يراد بها وجه الله ولا الخير للمنصوح.

الثاني: أن يكون بيان المسلم لرأيه في تصرفات الحكام على أساس من العلم والفقه، فلا يجوز أن ينكر عليهم أو ينتقصهم في الأمور الاجتهادية، لأن رأيه ليس أولى من رأيهم ما دام الأمر اجتهاديًا.

الثالث: لا يجوز للأفراد إحداث الفتنة ومقاتلة المخالفين لهم بالرَأْي إذا لم يأخذوا برأيهم ما دام الأمر يحتمل رأيهم ورأي غيرهم.

وبذلك أكدت الشَّرِيعَة الإسْلاميَّة على ضمان حق الرعية السياسي في إبداء الرَأْي في حدود ما أجاز الشَّرْع، وتختلف الشَّرِيعَة الإسْلاميَّة بذلك جوهريًا عن حرية الرَأْي السياسي في التصور الغَرْبيّ التي تعرف بأنها: «قدره الفرد على التعبير عن آرائه وأفكاره بحرية تامة بغض النظر عن الوسيلة التي يسلكها سواء كان ذلك بالاتصال المباشر بالناس أو الكتابة أو بواسطة الرسائل البريدية أو البرقية أو الإذاعة أو المسرح أو عن طريق الأفلام السينمائية أو التلفزيونية أو الصحف» [4] .

(1) زيدان، عبد الكريم: أصول الدعوة، ص (215) .

(2) ابن سعد، الطبقات الكبرى (3/ 183) .

(3) رواه البُخَارِيّ في صَحِيْحه، باب قول النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة» ، (1/ 30) ، ومسلم باب بيان أنّ الدين النصيحة، (1/ 74) ، وصَحِيْح ابن حبّان، (10/ 435) . وسُنَن الترمذي، (4/ 324) ، وسُنَن الدارمي، (2/ 402) ، وسُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى، (8/ 163) ، (10/ 209) ، ومُسْنَد الشَّافِعِي، (1/ 233) .

(4) حلمي، د. محمد: المبادئ الدستورية العامة، ص (375) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت