بها الشارع، ومسؤولة كذلك عن صيانتها عن الانحرافات الفِكْرية والعملية. وهذه المسؤوليّة جزء من وظيفة الدَّوْلَة الشاملة في تطبيق الأحكام الشَّرْعية، وإبلاغ رسالة الإسلام.
وتتولى الدَّوْلَة حفظ الأحكام، كما تتولى صيانتها، باستخدام ما يتوافر لها من وسائل، كالتعليم والإرشاد في مدارسها ومعاهدها، لبيان الأحكام والعقائد لأفراد الأمّة، وعن طريق وسائل الإعلام، لإيضاح تعاليم الشَّرِيعَة، وإبلاغها، وكذلك بإرسال الدعاة والمعلمين والعلماء، وبنصب الأئمة والوعاظ في المساجد، وبنشر الكتب الشَّرْعية، وبثّ المعارف الإسْلاميَّة في المجتمع إلى غير ذلك. وقد ثبت فعل ذلك في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وخلفائه الراشدين، حيث كان يقوم عليه الصلاة والسلام بالإبلاغ والتعليم، وبعث الدعاة إلى القبائل، ويُرسل من يُعلّم النّاس أمور دينهم من صحابته، وقام بإرسال الكتب، التي تحوي أحكامًا شرعيّة إلى من دخل في دين الإسلام.
ومع ثبوت هذا الأصل، من وجوب صيانة الدَّوْلَة وحمايتها للأحكام والعقائد، فإنه يرد في الكتاب والسنّة نصوصًا يحتمل تأويلها عدة أوجه، وقد يتفاوت المسلمون، في إثبات الطرق، التي وردت بها بعض سُنَن العبادات، أو بعض الأحكام العقدية، وقد لا يصل العلم ببعض العقائد والأحكام إلى بعض من المسلمين، ويترتب عن ذلك، ظهور أفهام متعددة ومختلفة من المسلمين، وقد ينجم عن ذلك ظهور مذاهب فقهيّة في الأحكام الشَّرْعية، وظهور فرق متنازعة في بعض الأمور الاعتقاديّة الواردة بالنُّصُوص الشَّرْعية، والتي يطلق عليها علماء الأصول: المسائل الخبرية العمليّة: مع إقرار جميع هذه المذاهب: وأهل الفرق، على أن مرجعهم هو الكتاب والسنّة، وتعظيمهم إيّاهما، وكون هذه المسائل لا تخرج قائلها إلى الكفر والرّدة عن الإسلام.
فالواجب في هذه الأحوال، عندما يكون الفهم مبنيًّا على تأويل مسوغ لنص شرعي في الكتاب والسّنّة، سواءًا أكان مصيبًا أم مخطئًا، مبتدعًا أم ناجمًا عن فهم معنى محتمل لألفاظ اللغة التي جاء بها النّص، أو بناء على اجتهاد مبذول ممّن توافرت له وسائله، أن يعذر المسلمون بعضهم بعضًا، فيما يدركه كل منهم، ولا يجوز للدولة، وولاة الأمر، في هذه الأحوال، حمل الرعيّة بالوسائل القسرية المادية على فهم واحد من الأفهام المشتركة، التي تحملها النصوص، كما لا يجوز للدولة أن تمنع الناس بالقوة، وتجبرهم على ترك ما تعبدوا به، من عقائد وأحكام متنازع فيها حينئذ، لما قد ينجم عن ذلك من شق وحدة المسلمين وتمزيق شملهم، وكلمتهم، وإشاعة البغضاء بينهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيميّة: