والأرض ... أما العدل فهو حالة للقوى الثلاث في انتظامها على التناسب بحسب الترتيب الواجب في الاستعلاء والانقياد، فليس العدل جزءًا من الفضائل بل هو عبارة عن جملة الفضائل ... وكذلك العدل في مملكة البدن ... والعدل في أخلاق النفس يتبعه لا محالة العدل في المعاملة والسِّيَاسِيَّة، ويكون كالمتفرع منه، ومعنى العدل: الترتيب المستحب. إما في الأخلاق وإما في حقوق المعاملات وإما في أجزاء ما به قوام البلد، والعدل في المعاملة وسط بين رذيلتين: الغبن والتغابن، والعدل في السِّيَاسِيَّة ترتيب أجزاء المدينة ترتيبًا مشاكلًا لترتيب أجزاء النفس» [1]
نخلص من كل ما سبق أن لفظة العَدالَة في الاصطلاح متباينة الحدود لاعتماد الفقهاء في اصطلاحهم على صفات معينة رأوا أن لا بد من توافرها ليتسم بالعَدالَة في قوله أو فعله أو حاله، بمعنى أنهم قصروا الحد على جزء من التكاليف الشَّرْعية، والعَدالَة أعم وأشمل حسب ورودها في النُّصُوص الشَّرْعية.
وعليه فإن التعريفات الموضوعة للعدالة في معنى الشَّرْع تناولت أصلًا من أصولها أو مجالًا من مجالاتها دون أن تكون جامعة مانعة تضم الأصول وتلم المجالات في معنى محدد ولذلك لا تصلح أن تكون معنى شرعيًا عامًا لمفهوم العَدالَة.
فالمعنى الشَّرْعي الدقيق بحسب الاستعمال القرآني لكلمة العَدالَة وتنوع استعمالاتها في العديد من المجالات وفي كل شؤون الحياة الخاصة والعامة السِّيَاسِيَّة منها والاجْتِمَاعِيَّة والقانونية وغير ذلك هو الالتزام بالإسلام ليس غير. قَالَ تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [2] وقَالَ سبحانه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [3] .
(1) الغَزَالي أبو حامد محمد بن محمد (505 هـ) ، ميزان العمل، ص (76،81 - 82) .
(2) الأنعام / 115.
(3) الحديد / 25.