فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 633

للإنسان المستخلف في الأرض، لأن العدل يحقق له عزّته وكرامته، ويحفظ له شخصيته الآدمية محررة من العبودية لبشر أو حجر أو هوى.

ومن هذا المنطلق كانت المجتمعات البشرية القديمة تعرف معنى العدل والظلم بما حباهم الله من عناية وتوجيه وترشيد بواسطة الوحي وما من انحراف عن جادة الصواب وتداخل في حدود الله إلا من غواية الشيطان. قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «قَالَ الله تعالى: وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم» [1] .

ومما يشهد لهذا الاجتيال ما شهده العالم في التاريخ القديم من حضارات سادت أرجاؤها كالحَضَارَة المصرية والسومرية والأشورية والبابلية والفارسية واليونانيَّة والرومانية فقد انحرفت عن العدل الإلهي في تسيير حياتها وشوؤنها لتعلقها بالوثنية، ولا يعني هذا أنها لم تعرف العدل بل عرفته إلا أنها لم تكن تعرف حدود كل من العدل ونقيضه الظلم فالحدود متداخلة بينها شأنها في ذلك شأن أكثر المعاني المجردة إذ ذاك بسبب خضوع الشعوب لموروث عاداتها وأعرافها فسنّت الأنظمة وشرعت القوانين وألزمت الرعية بالاحتكام إليها وقد وصل إلينا من هذه القوانين الوضعية التي ما زال بعضها محفوظًا في المتحف البريطاني وغيره. وبعضها الآخر دلت عليه الاكتشافات الأثرية الحديثة.

وسنكتفي بعرض جملة من مبادئ ومفاهيم بعض هذه القوانين التي تظهر لنا العَدالَة في تلك المجتمعات البشرية القديمة.

1 - «يزعم صاحب قصة الحَضَارَة بأن القوانين المَدَنيَّة والجزائية في مصر القديمة غاية في الرقي، وإن الناس جميعًا متساوون فيها مساواة تامة أمام القانون كما هم متساوون أمامه في هذه الأيام ... ومن القوانين المتبعة أن الحانث بيمينه يعاقب بالإعدام ... وأن المذنب يتعرض إلى عقوبة قد تكون بجدع أنفه أو صلم أذنه أو قطع لسانه أو نفيه أو إعدامه بالشنق أو بالمخزق أو بقطع رأسه أو بإحراقه مصلوبًا أو بأشد ضروب العقاب بتحنيطه حيًا» [2] .

(1) صَحِيْح مسلم، صفة الجنة (4/ 2197) عن عياض بن حِمار المجاشعّي وأحمد في المُسْنَد (4/ 262) بمعناه وصَحِيْح ابن حِبِّان (2/ 423) والسُنَن الكبرى للنسائي (5/ 26) .والمعجم الأوسط، (3/ 206) . والمعجم الكبير (17/ 358) . وفتح الباري (3/ 248) .

(2) ديورانت، ول: قصة الحَضَارَة، ترجمة زكي نجيب محمود (3/ 90 - 91) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت