هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد، وإن عمهما أخذ مالهما، قال: (( يقضي الله في ذلك ) )، فنزلت آية الميراث، فأرسل إلى عمهما فقال: (( اعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن فما بقي فهو لك ) )، وهذا ظاهر في تقدم نزولها، نعم وبه احتج من قال: إنها لم تنزل في قصة جابر [1] ، إنما نزلت في قصة ابنتي سعد بن الربيع، وليس ذلك بلازم؛ إذ لا مانع أن تنزلَ في الأمرَيْن معًا، ويحتمل أن يكون نزول أولها في قصة البنتين وآخرها وهي قوله: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً} [النساء: 12] في قصة جابر، ويكون مراد جابر فنزلتْ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} أي: ذكر الكلالة المتصل بهذه الآية، والله أعلم [2] ؛"الفتح": 8/ 92 - 93.
ميراث البنت الأصل فيه، كما تقدم في أول كتاب الفرائض [3] قوله - تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء: 11] ، وقد تقدمت الإشارة إليه وإلى سبب نزولها [4] ، وأن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون البنات [5] ، كما حكاه أبو جعفر بن حبيب [6] في كتاب المحبر [7] ، وحُكِي
(1) قصة جابر أخرجها البخاري في صحيحه،"فتح": 8/ 91 رقم: 4577 عن جابر قال: عادني النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ماشيين، فوجدني النبي - صلى الله عليه وسلم - لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش علي فأفقت، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} ، وقد وهم بعض أهل العلم - الدمياطى ومن تبعه، انظر:"الفتح"8/ 93 - ابن جريج في هذه الرواية؛ لأن مسلمًا أخرجه في صحيحه: 3/ 1234 رقم: 1616 عن عمرو النقاد، والنسائي في تفسيره: 1/ 419 رقم: 154 عن محمد بن منصور، كلاهما عن ابن عُيينة عن ابن المنكدر، فقال في هذا الحديث: حتى نزلتْ عليه آية الميراث: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} [النساء: 176] ، وقد بين ابنُ حجر - رحمه الله - أن ابن جريج لم يهم في تعيين الآية؛ إذ لم ينفردْ بذلك، فقد ذكرها ابن عيينة أيضًا على الاختلاف عنه كما عند الترمذي: 5/ 234 رقم: 3015، وكذا أخرجه عبد بن حميد كما في"العجاب"؛ لابن حجر: 353 من طريق عمرو بن أبي قيس عن ابن المنكدر، قال ابن حجر في"الفتح": 8/ 92: "فالحاصل أن المحفوظ عن ابن المنكدر أنه قال: (آية الميراث أو آية الفرائض) ، والظاهر أنها: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} ، كما صرح به قي رواية ابن جريج ومن تابعه، وأما من قال: إنها {يَسْتَفْتُونَكَ} فعمدته أن جابرًا لم يكن له حينئذٍ ولد، وإنما يورث كلالة، فكان المناسبُ لقصته نزول الآية الأخيرة لكن ليس ذلك بلازم؛ لأن الكلالة مختلف في تفسيرها، فقيل: اسم المال الموروث، وقيل: اسم الميت، وقيل: اسم الإرث، وقيل: ما تقدم، والذي تقدم تفسيرها بمن لا ولد له ولا والد؛ انظر:"الفتح"8/ 92، وانظر:"العجاب"؛ لابن حجر: 352 - 354، "عمدة القاري"؛ للعيني: 18/ 167،"إرشاد الساري"؛ للقسطلاني: 8/ 135، على أن ابن كثير في تفسيره: 1/ 560 ذهب إلى أن حديث جابر هذا إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السورة لا هذه الآية."
(2) انظر:"العجاب"؛ لابن حجر، مطبوع 2/ 844.
(3) انظر: البخاري،"فتح"12/ 5.
(4) انظر:"فتح الباري"، 8/ 92، 12/ 6.
(5) ولا الصبيان، بل يورثون من حاز الغنيمة وقاتل على ظهور الخيل، انظر النص على ذلك في:"جامع البيان"؛ للطبري: 8/ 31،"معاني القرآن"؛ للنحاس: 1/ 28،"أحكام القرآن"؛ للجصاص: 2/ 116،"أحكام القرآن"؛ لابن العربي: 1/ 332،"مفاتيح الغيب"؛ للرازي: 9/ 210،"الكشاف"؛ للزمخشري: 1/ 505،"تفسير القرآن العظيم"؛ لابن كثير: 1/ 560،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 180،"إرشاد العقل السليم"؛ لأبي السعود: 2/ 149،"عمدة القاري"للعيني: 23/ 237، الحاوي الكبير للماوردي: 8/ 68.
(6) هو: أبو جعفر محمد بن سليمان بن حبيب الأسدي البغدادي، شيخ الثغر، الملقب بـ (لوين) ، إمام حافظ، ثقة كثير الحديث، توفِّي عام: 245 هـ، انظر:"سير أعلام النبلاء"؛ للذهبي: 11/ 500،"تاريخ بغداد"؛ للخطيب: 2/ 292،"شذرات الذهب"؛ لابن العماد: 3/ 215.
(7) انظر:"المحبر"236 و 324، لكن فيه أن عامرًا وَرَّث ماله لولده للذكر مثل حظ الأنثيين فوافق حكم الإسلام، وكذا ذكر الآلوسي في"بلوغ الأرب"1/ 179.