يفصِّل، فخرجت الوصيةُ للوارث بالدَّليل الذي تقدم [1] ، وبقيَ الإقرارُ بالدَّيْن على حالِه [2] .
وقوله - تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ} متعلِّق بما تقدم من المواريث كلها لا بما يليه وحده، وكأنه قيل: قسمة هذه الأشياء تقع من بعد وصية، والوصية هنا: المالُ الموصى به [3] .
وقوله: {يُوصَى بِهَا} هذه الصفة تُقَيِّد الموصوف، وفائدته أن يُعْلَم أن للميت أن يوصِي؛ قاله السُّهَيْلي [4] ؛"الفتح": 5/ 441.
ولَم يختلف العلماءُ في أن الدَّيْن يقدم على الوصية [5] إلا في صورةٍ واحدة، وهي ما لوْ أوصى لشخص بألف مثلًا، وصدقه الوارث وحكم به، ثم ادعى آخر أن له في ذمة الميت دينًا يستغرق موجوده وصدقه الوارث، ففي وجْهٍ للشافعية تقدم الوصية على الدَّيْن في هذه الصُّورة الخاصة [6] ، ثم قد نازع بعضهم [7] في إطلاق كوْن الوصية مقَدَّمة على الدين في الآية؛ لأنه ليس فيها صيغة ترتيب؛ بل المراد أن المواريث إنما
(1) إما آية الفرائض، أو قوله - صلى الله عليه وسلم - كما عند أبي داود 3/ 296 - 297 رقم: 3565، والترمذي: 4/ 376 - 377 رقم: 2120 وحسنه، وابن ماجه: 2/ 905 رقم: 2713 وغيرهم: (( إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث ) )، أو الإجماع على ذلك، وإن لم يتعينْ دليلُه؛ انظر:"الفتح": 5/ 439.
(2) في المسألة خلافٌ؛ والظاهر: أن إقرار المريض بالدين جائز مطلقًا، سواء أكان ذلك لوارث أم لغيره، إلا إذا وجدت شواهد تكذبه، فيكون عند ذلك إقرارًا باطلًا؛ انظر:"مجموع فتاوى ابن تيميَّة": 35/ 426،"سُبُل السلام"؛ للصنعاني: 3/ 167 - 168،"موسوعة فقه ابن تيمية تأصيل وتقعيد"؛ د. قلعجي 318/ 1 - 319.
(3) هذه العبارة في"الدر المصون"؛ للسمين: 1/ 321 بتصرُّف يسير، وهي في"الكشاف"؛ للزمخشري: 1/ 508 بتصرف أكثر، وانظر:"أنوار التنزيل"؛ للبيضاوي 1/ 207، و"إرشاد الساري"؛ للقسطلاني: 6/ 233.
(4) في كتابه:"الفرائض وشرح آيات الوصية"48، وانظر:"البحر المحيط"؛ لأبي حيان 3/ 186.
(5) انظر حكاية الإجماع على ذلك في:"جامع البيان"؛ للطبري: 8/ 46،"لباب التأويل"؛ للخازن: 1/ 350،"مراتب الإجماع"؛ لابن حزم: 110،"المحرر الوجيز"؛ لابن عطية: 4/ 38،"تفسير القرآن العظيم"؛ لابن كثير: 1/ 562،"الجامع لأحكام القرآن"؛ للقرطبي 5/ 73،"فتح القدير"؛ للشوكاني 1/ 646، و"نيل الأوطار"له 6/ 167،"سبل السلام"؛ للصنعاني 3/ 169،"فقه المواريث"؛ للاحم: 1/ 24.
(6) حكاه الرافعي في"الشرح الكبير": 5/ 283، عن الأكثر، وقال الرمْلي في"نهاية المحتاج"6/ 8:"إن الأصح بل الصواب تقديم الدين على الوصية".
(7) ممن ذهب إلى أن الآية ليس فيها صيغة ترتيب: الزجاج في"معاني القرآن": 2/ 23، والواحدي في"البسيط"- تحقيق المحيميد: 1/ 138 - 139، وابن الجوزي في"زاد المسير": 2/ 28، والماوردي في"النكت والعيون": 1/ 459، والبغوي في"معالم التنزيل": 2/ 177، والعكبري في"إملاء ما مَنَّ به الرحمن": 1/ 169، وغيرهم، والمعنى عندهم: إن كان أحدهما (الوصية أو الدين) أو كلاهما قُدِّم على قسمة الميراث.