تقع بعد قضاء الدين وإنفاذ الوصية، وأتى بـ {أَوْ} للإباحة [1] ، وهي كقولك: جالس زيدًا أو عمرًا، أي: لك مجالسة كل منهما اجتمعا أو افترقا، وإنما قدمتْ لمعنى اقتضى الاهتمام لتقديمهما، واختلف في تعيين ذلك المعنى [2] .
فقد ذكر السُّهَيْلي أن تقديم الوصية في الذكر على الدين؛ لأن الوصية إنما تقع على سبيل البر والصِّلة، بخلاف الدين؛ فإنه إنما يقع غالبًا بعد الميت بنَوْع تفريط، فوقعت البداءة بالوصية لكونها أفضل [3] ، وقال غيرُه [4] : قدمت الوصيةُ؛ لأنها شيء يؤخَذ بغير عِوض، والدين يؤخذ بعِوَض، فكان إخراج الوصية أشق على الوارث من إخراج الدين، وكان أداؤها مظنة التفريط بخلاف الدين، فإن الوارث مطمئن بإخراجه فقدمت الوصية لذلك.
وأيضًا: فهي حظّ فقير ومسكين غالبًا، والدين حظ غريم يطلبه بقوة، وله مقال، كما صح أن لصاحب
(1) انظر النص على أن {أَوْ} في الآيةِ للإباحة في:"معاني القرآن وإعرابه"؛ للزجاج 2/ 23،"البسيط"للواحدي - تحقيق المحيميد: 1/ 138 - 139،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 186،"الدر المَصُون"؛ للسمين: 2/ 322،"الكشاف"؛ للزمخشري: 1/ 508، والفرقُ بين الإباحة والتخيير امتناع الجمْع بين المتعاطفَيْن في التخيير وجوازه في الإباحة، فيجوز تقديم الدَّيْن والوصية على قسمة الميراث، ولا يجوز الجمْع بين تزَوُّج زينب وأختها في قولنا:"تزوج زينب أو أختها"؛ لأن (أَوْ) في هذا المثال للتخيير؛ انظر: في معاني (أو) :"معاني الحروف"؛ للرماني: 77،"رصف المباني في شرح حروف المعاني"؛ لأحمد بن عبدالنور: 210،"الأضداد"؛ لابن الأنباري: 281،"أوضح المسالك"؛ لابن هشام: 1/ 277،"موسوعة الحروف العربية"؛ د/ إ. يعقوب: 173، وغيرها.
(2) ذكر الحافظ في"الفتح": 5/ 444 في هذا الموضع أن حاصل ما ذكره أهل العلم من مقتضيات التقديم ستة أمور:
أحدها: الخفة والثقل: كربيعة ومُضر، فمضر أشرف من ربيعة، لكن لفظ ربيعة لما كان أخف، قُدِّم في الذكر؛ وهذا يرجع إلى اللفظ.
ثانيها: بحسب الزمان: كعاد وثمود.
ثالثها: بحسب الطبع: كثلاث ورباع.
رابعها: بحسب الرتبة: كالصلاة والزكاة؛ لأن الصلاة حق البدَن، والزكاة حق المال، والبدَن مُقدم على المال.
خامسها: تقديم السبَب على المسبب: كقوله - تعالى: {عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 209] ، قال بعضُ السلَف: عزَّ، فلما عزَّ حكم.
سادسها: بالشرَف والفضْل: كقوله - تعالى: {مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ} [النساء: 69] ، وقد نقلها عنه الشوْكَاني في"نيل الأوطار": 6/ 167، ويظهر أن الحافظ أخذ ذلك عن السُّهَيْلي في كتاب"الفرائض وشرْح آيات الوصية": 49 - 50.
(3) كتاب"الفرائض وشرح آيات الوصية"له: 49، والكلام مأخوذ عنه بتصرُّف.
(4) الكلام الآتي مأخوذ عن الزمخشري في"الكشاف": 1/ 508 - 509 بتصرف يسير، وانظر:"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 186،"الدر المصون"؛ للسمين: 2/ 322.