فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 120

{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} [النساء: 32] ، ثم قال: {ولُكِلٍّ} ؛ أي: من الرجال والنساء (جَعَلْنَا) ؛ أي: قدرنا نصيبًا؛ أي: ميراثًا {مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} ؛ أي: بالحلف [1] ، أو الموالاة [2] ، أو المؤَاخاة [3] .

{فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [النساء: 33] خطاب لِمَن يتوَلَّى ذلك، أي: مَن ولي على ميراث أحد فليعطِ لكل من يرثه نصيبه، وعلى هذا المعنى المتضح ينبغي أن يقع الإعراب، ويترك ما عداه من التعسُّف.

هكذا وقع في هذه الرواية [4] أن ناسخ ميراث الحليف هذه الآية، وروى الطبري [5] من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال:"كان الرجل يعاقد الرجل، فإذا مات ورثه الآخر، فأنزل الله: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ"

(1) هذا قول جمهور المفسرين من السلف والخلف؛ فقال به ابن عباس، ومجاهد، وابن المسيب، وابن جُبَير، والحسن، وقتادة، وعطاء، والشعبي، وعكرمة، والضحاك، والسُّدِّي، وسليمان بن يسار، ومقاتل بن حيان في آخرين؛ انظر:"جامع البيان"؛ للطبري: 8/ 272 - 288،"تفسير ابن أبي حاتم": 3/ 937 - 938،"المحرر الوجيز"؛ لابن عطية: 4/ 103،"النكت والعيون"؛ للماوردي: 1/ 479،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 237،"مفاتيح الغيب"؛ للرازي: 10/ 88 - 89. وقال به: أبو عبيدة في"مجاز القرآن": 1/ 125، واليزيدي في"غريب القرآن"وتفسيره: 117، والزجاج في"معاني القرآن": 4612، وابن قتيبة في"تفسير غريب القرآن": 126، وغيرهم.

وقد حكى الإجماع عليه الواحدي في"البسيط"- تحقيق: المحيميد: 1/ 227، وفي"الوسيط"2/ 44، وفي ذلك نظر؛ انظر:"الإجماع في التفسير"؛ للخضيري: 307 - 308. ومعنى الحلف: أن الرجل في الجاهلية كان يعاقد الرجل، ويقول له: دمي دمك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، فلما جاء الإسلام جعل للحليف السدس، وهو قوله: {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} ، ثم نسخ بعد بقوله - عز وجل: {وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأحزاب: 6] ؛ انظر: المصادر السابقة، قال ابن عطية في"المحرر": 4/ 103:"ولفظ المعاقدة والأيمان ترجح أن المراد الأحْلاف؛ لأن ما ذكر من غير الأحلاف ليس في جميعه معاقدة ولا أيمان".

(2) هذا القول ذكره المفسرون، ولم أعثر على قائل به، والمراد: الإرث الحاصل بسبب الموالاة، وعلى ذلك فلا نسْخ في الآية.

(3) أي: التي آخاها النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار، وهو قولُ ابن عباس - رضي الله عنهما - في رواية سعيد بن جبير عنه، وسعيد نفسه، وابن زيد؛ انظر:"تفسير ابن أبي حاتم": 3/ 397،"زاد المسير"؛ لابن الجوزي: 2/ 72،"النكت والعيون"؛ للماوردي: 1/ 479. وهناك أقوال أخرى أنَّ المراد بالمعاقدة: التبنِّي أو الوصية أو الزواج؛ انظر: المصادر المذكورة في الهامش قبل السابق.

(4) أي: رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عند البخاري؛"فتح": 8/ 96 رقم: 4580 قال: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} ، قال: ورثة، {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه؛ للأخوة التي آخَى النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم، فلما نزلت: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} ، ثم قال: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له"."

(5) "جامع البيان"له: 8/ 275 رقم: 9268 بتصرُّف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت