من طريق أبي إدريس الخولاني [1] ، عن معاوية: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافرًا، والرجل يقتل المؤمن متعمدًا ) )، وقد حمل جمهور السلَف، وجميع أهل السنة ما ورد من ذلك على التغْليظ، وصححوا توبة القاتل كغيره [2] ، وقالوا: معنى قوله: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} ؛ أي: إن شاء الله أن يجازيه تمسكًا بقوله - تعالى - في سورة النساء أيضًا: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] [3] .
ومن الحجة في ذلك: حديث الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم أتى تمام المائة، فقال له: لا توبة، فقتله فأكمل به مائة، ثم جاء آخر فقال:"ومَن يحول بينك وبين التوبة؟"... الحديث، وهو مشهور وسيأتي في الرقاق واضحًا [4] ، وإذا ثبت ذلك لِمن قبل من غير هذه الأمة، فمثله لهم أوْلى؛ لما خفف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم؛"الفتح": 8/ 354.
(1) هو: أبو إدريس عائد الله بن عبدالله بن عمرو العوذي الخولاني، ولد في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين، ثقة عابد، عالم الشام بعد أبي الدرداء، توفِّي عام 80 هـ؛ انظر:"الجرح والتعديل"؛ لابن أبي حاتم: 7/ 40،"تهذيب التهذيب"- المعرفة - لابن حجر: 3/ 56،"تقريب التهذيب"؛ لابن حجر: 479.
(2) ذكر ذلك جماعة من أهل العلم؛ منهم: النووي الذي قال في"شرحه لمسلم": 18/ 210:"وهذه الرِّواية الثانية - أي: عن عبدالله بن عباس في قبول توبة من قتل متعمدًا - هي مذهب جميع أهل السنة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وما روي عن بعض السلف مما يخالف هذا، فمحمول على التغليظ والتحذير من القتل والتورية في المنع منه"؛ وانظر: الكتاب نفسه: 17/ 129، وقال المنذري في"مختصر السنن": 6/ 153 - 154،"وقال جماعة من العلماء: إنه له توبة، منهم: عبدالله بن عمر، وهو أيضًا مروي عن عبدالله بن عباس وزيد بن ثابت، وهو الذي عليه جماعة السلَف، وجميع ما روي عن بعض السلف مما ظاهره خلاف هذا فهو على التغليظ والتشديد، والآية خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ"، وانظر في حكاية الإجماع أو نسبة ذلك للجمهور أو لأهل السنة:"معالم التنزيل"؛ للبغوي: 2/ 267،"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه"؛ لمكي: 241،"تفسير القرآن العظيم"؛ لابن كثير: 1/ 655،"زاد المسير"؛ لابن الجوزي: 2/ 167،"مدارج السالكين"؛ لابن القيم: 1/ 395 - 396،"المغني"؛ لابن قدامة: 11/ 443،"الجامع لأحكام القرآن"؛ للقرطبي: 5/ 333،"عمدة القاري"؛ للعيني: 19/ 97،"أنوار التنزيل"؛ للبيضاوي: 11/ 237،"فتح القدير"؛ للشوكاني: 1/ 746 - 747، و"نيل الأوطار"له: 7/ 61 - 64،"فتح البيان"؛ لصديق خان: 3/ 204،"المفهم"؛ لأبي العباس القرطبي: 7/ 90،"شرحي الأبي والسنوسي لصحيح مسلم": 9/ 180، وغيرها.
(3) والقتل دون الشرك باتفاق؛ انظر: جل المصادر السابقة في الهامش الماضي.
(4) لم أهتدِ إليه في كتاب الرقاق من الصحيح، ولا أظنه فيه، وهو في أحاديث الأنبياء"فتح": 6/ 591 رقم: 3470، ومسلم - في صحيحه: 4/ 2118 رقم: 2766، وأحمد في"المسند"- تحقيق شاكر والزين: 10/ 67 رقم: 11097، وابن ماجة في سننه: 2/ 875 رقم: 2622 من حديث أبي سعيد الخدري.