الحج، وأصبح لا ينقطع عن استشراف وجه البحر، وصيد خيراته، وشكر الله على نعمه الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى. وعندما عظم البلاء بالبلد بسبب الفساد، وكثرة المنكر، وتوالي سنوات الجفاف إلى أن أصبح الموت ينذر بمخالبه الرعية، ويهدد الذين يسوسونهم من الطغاة والبغاة والعتاة وأهالي الشطط والغلط، لم يجد عامل السلطان جرمون مسلكا آخر، بعد فشل الأئمة في أداء صلاة الاستسقاء، واستدرار المطر، واستجلاب القطر، إلا أن يستغيث بأبي موسى الولي الصالح الذي أجبره على الإمامة بالمصلين يوم الجمعة. ولما رفض أبو موسى الانصياع لأوامره، زج به في السجن، على الرغم من عزلته الدائمة عن الناس، لايتقرب قط من الحكام والساسة وذوي النفوذ. ولما علم الناس بأمره ذهبوا إليه حيث كان سجينا، فاستعطفوه كثيرا، ثم وافقهم على فعل ما يبتغيه منه عامل السلطان. لكن أبا موسى جمع كل بغايا فندق الزيت ونسائه، وخرج بهن يوم الخميس- لا يوم الجمعة-، فأثار فضول الناس الذين استغربوا شأنه، واستنكروا فعله غير المعتاد. وعندما وصل أبو موسى إلى المصلى، بدأ في التضرع والتوسل والتذلل إلى الله، وبدأت دموع التوبة والمغفرة تنساب من عيون جارات أبي موسى حارة، تتقد حسرة وألما واستعطافا. ومن ثم، فقد دفع هذا المشهد الإنساني الحاضرين إلى إعلان توبتهم، ورغبتهم في التغيير، والتخلص من أدران الظلم، والاستغفار من كثرة المنكر، ولم تنته صلاة الاستسقاء حتى أنزل الله عليهم في الليل غيثا نافعا سر به الناس كثيرا. ولما أراد جرمون وأعوانه محاسبة الولي الصالح على فعلته، وأرادوا تفقده، وجدوا رجل الكرامات أبا موسى قد افترش مثواه الأخير. فحمل أبو موسى"إلى الجامع الأعظم للصلاة عليه، وقرر ملأ المدينة أن ينتظروا صلاة العصر حتى يشيع الخبر في المدينة، ويكفي الوقت لكل من يريد أن يحضر تلك الصلاة. غصت جنبات الجامع الأعظم وساحته والأزقة المجاورة له بالمصلين، وتصدر لإسماع البعداء عشرات المسمعين. وكانت صلاة خشوع وسكون لم يسمع فيها إلا ما تساقط من جري دموع المآقي وما غلب رجالا أشداء ونساء رقيقات العواطف من عصي النحيب، وقال قائل: سبحانه! سبحانه! بعودة الغيث عاد الدمع إلى العيون."