فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 216

التاريخ: مثل الاعتماد على أي كتاب من كتب التاريخ من حيث الزمان والمكان والأشخاص إلى ما تقتضيه من التوسع في الوصف، مما لا تأثير له على وصف العادات والأخلاق إن الروائي المؤرخ لا يكفيه تقرير الحقيقة التاريخية الموجودة، وإنما يوضحها ويزيدها رونقا من آداب العصر وأخلاق أهله وعاداتهم، حتى يخيل للقراء أنه عاصر أبطال الرواية، وعاشرهم، وشهد مجالسهم ومواكبها واحتفالاتهم، شأن المصور المتفنن في تصوير حادثة يشغل ذكرها في التاريخ سطرا أو سطرين، فيشغل هو في تصويرها عاما أو عامين. فمقتل جعفر البرمكي عبر عنه المؤرخ ببعض كلمات، أما المصور فلا يستطيع تصويره، إلا إذا كان مطلعا على عادات ذلك العصر، وطبائع أهله، وأشكال ملابسهم وألوانها، وضروب الفرس وأشكال الأسلحة، ليمثل كلا من القاتل والمقتول بقيافته وشكله، وينبغي له أن يكون عالما بانفعالات النفس، وما يبدو من آثارها على الوجه أو في حركات الجسم، ليمثل غضب القاتل أو شراسته، وخوف المقتول وكآبته، غير ما تقتضيه الصناعة من تصوير مكان الواقع، إن كان غرفة أو شارعا أو بادية أو حديقة، والزمان الذي وقعت فيه. وإن كان صباحا أو أصيلا أو عشاء، ولكل من هذه الأحوال أشكال وألوان لا يتم جمال الصورة إلا بإتقانها. وذلك شأن الروائي بالنظر إلى التاريخ، فهو يمثل تلك الأحوال، أو يصور أشكالها وألوانها بالألفاظ من عند نفسه، فيوشح الحادثة التاريخية بخلاصة درسه الطويل في آداب القوم وعاداتهم وأخلاقهم، والتفطن لأثار العواطف في مظاهرهم، مع بيان ما يحف بتلك الحادثة المعاصرة، ويطابق وضعه نظام الاجتماع وأحوال العائلة، وإذا رجع المطالع إلى تحقيق الحوادث التاريخية على جمالها وجدها حقيقة ثابتة، وذلك ما توخيناه في سائر رواياتنا" [1] ."

(1) - جورجي زيدان: (مقدمة) ، الحجاج بن يوسف، مطابع الهلال، القاهرة، مصر، 1913 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت