الإفساد فسلط عليهم عبادًا آخرين، حتى كان العصر الحديث فسلط عليهم (هتلر) ، ولقد عادوا اليوم إلى الإفساد في صورة (إسرائيل) التي أذاقت العرب أصحاب الأرض الويلات، وليسلطن الله عليهم من يسومهم سوء العذاب تصديقًا لوعد الله القاطع وفاقًا لسنته التي لا تتخلف، وإن غدًا لناظره قريب) [1] .
9.قوله تعالى: {الَّذينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيرِ حَقٍ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَولا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبِعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكْنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [2] ، وقد تحقق ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم، وسيتحقق للطائفة المنصورة التي ستسير على نهجهم بإذنه تعالى، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، وإنما ذكر الله تعالى المعابد وأماكن العبادة دلالة على التوقيت الزمني التي عاشتها الأمم فيما مضى، وختمها بالمساجد، والمساجد لا تكون إلاَّ للمسلمين، وهي الأماكن التي يتعبدون الله فيها، وهذا دليل قرآني مبارك على سيادة الإسلام وعودته بإذنه تعالى، فبقاؤهم ببقاء المساجد، والمساجد آخر العهد مع هذه الدنيا، وهذه الزيادة اليوم في عدد المساجد في أنحاء العالم، ولاسيما الدول الأوربية التي لا تدين بالإسلام، لأمر يدعو إلى الفرح والسرور، وأن من مميزاته أنه ينتشر بسرعة وأن أتباعه عاملون له باستمرار، لا يكلون ولا يملون.
واليوم نجد بعض الدول الأوربية أخذت تحارب بناء المساجد في دولهم منعًا من انتشار الإسلام، فخرج المسلمون على شكل تظاهرات تندد بتلك الإجراءات اليائسة، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن دين الله أخذ ينتشر بين الأوربيين بشكل كبير.
قال سيد قطب: (فوعد الله المؤكد الوثيق المتحقق الذي لا يتخلف، هو أن ينصر من ينصره .. فمن هؤلاء الذين ينصرون الله، فيستحقون نصر الله، القوي العزيز الذي لا يهزم من يتولاه إنهم هؤلاء الذين إن مكناهم في الأرض فحققنا لهم النصر، وثبتنا لهم الأمر) [3] .
10.قوله تعالى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِيِنَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [4] .
فهذا وعد من الله عز وجل لعباده المخلصين بالنصر المستمر، هذا الطريق الطويل لا يخلو من دعاة ومجددين ومبشرين ومجاهدين وتبقى الأرض بإذن الله مليئة بتلكم الأصناف المباركة، حتى يأتي وعد الله في قيام دولة الإسلام مجددًا كما قامت من قبل، فلبنة على لبنة حتى يكتمل البناء ويشمخ ويزهو .. ، ولم يكن كما يقول المثبطون: إن الأمة إلى زوال وإدبار .. فهذا النص الكريم يوحي بأن البناء سيكتمل عندما يأذن الله، وحينها سيتحقق وعد الله الحق.
يقول الدكتور القرضاوي: (يتحدث كثير من الدعاة عن آخر الزمان، وعن أحاديث الفتن والملاحم وأشراط
(1) الظلال: ج 5 ص 308.
(2) الحج: 39 و 40.
(3) الظلال: ج 5 ص 606.
(4) النور: 55.